كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1471.. “تحالف أم تقاطع مؤقت للمصالح؟”

تخرج علينا الصحف وعناوين الأخبار بحديثٍ عن تحالفات جديدة في الشرق الأوسط، ويبدو أن الأمر أقرب إلى التوظيف السياسي والإعلامي منه إلى الوقائع الصلبة القابلة للبناء عليها استراتيجيًا. فالأمر الذي يُقدَّم على أنه «تحالف» أو «محور» لا يتجاوز، في كثير من الأحيان، كونه تنسيقًا ظرفيًا أو تقاطعًا مؤقتًا للمصالح حول ملفات محددة، سرعان ما يتراجع مع تغيّر الحسابات أو تبدّل الأولويات.

وخاصة أن الدول التي يُتحدث عنها باعتبارها تبني تحالفات هي، في الأساس، دول براجماتية تبحث عن مصالحها أولًا وقبل كل شيء، وتنظر إلى منطقة الشرق الأوسط باعتبارها وحدة مصالح ومنطقة نفوذ ناعم. وهي ترضى ببناء شراكات مع الجميع، ولا تُبعد بلدًا لإرضاء بلدٍ آخر، حتى لو كانت الشراكة معه هامشية.

إن الحديث عن قيام أحلاف في منطقة الشرق الأوسط يبحث دائمًا عن الدولة القادرة على لعب دور «القاطرة الإقليمية» التي تلتف حولها بقية الدول، ويبدو أن دول المنطقة تمتلك مصالح متعارضة أحيانًا، ومناطق نفوذ متداخلة أحيانًا أخرى، كما أن العلاقات بينها محكومة بدرجات متفاوتة من الشك والحذر. ومن أجل ذلك تميل الدول إلى بناء شراكات تركز على الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، وتتجنب التحالفات السياسية التي قد تضعها في حرج مع دول أخرى ترتبط معها بمصالح متشابكة.

لذلك، فإن التلويح بوجود تحالفات غالبًا ما يكون هدفه إيصال رسائل سياسية مرتبطة بإظهار النفوذ، أو تحسين شروط التفاوض، أو الإيحاء بامتلاك هامش مناورة أوسع. وتقدم تركيا المثال الأوضح على هذا النوع من السيولة الجيوسياسية، حيث يجري الحديث دومًا عن اعتبارها جزءًا من أكثر من محور إقليمي، بعضها يتناقض تمامًا مع الآخر.

فنجد أن تركيا طورت علاقتها مع دول الخليج بعد سنوات من التوتر، وفتحت صفحة جديدة مع مصر، وتحافظ على حضور واضح في ليبيا، وتسعى إلى توسيع شراكتها مع الجزائر والمغرب، كما تحاول تثبيت نفوذ اقتصادي وأمني في إفريقيا والبحر الأحمر. وهذا الانتشار الواسع لا يعني أنها أصبحت رأس حلف شرق أوسطي، بل على العكس؛ فهو يعكس طبيعة السياسة التركية القائمة على تعدد الشراكات وتجنب التموضع داخل محاور مغلقة. فهي تدرك أن البيئة الإقليمية لا تسمح ببناء تحالفات صلبة طويلة الأمد، ولذلك تفضل الاستثمار في العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية.

والحديث عن كل التحالفات المذكورة في المنطقة يبقى أقرب إلى اللغة السياسية أو الإعلامية منه إلى الواقع العملي، حيث إن هناك أسبابًا عديدة تمنع ظهور تحالفات إقليمية حقيقية، أهمها أن الشرق الأوسط لم يعد يُدار وفق منطق الحرب الباردة أو الانقسامات الأيديولوجية الحادة التي كانت تنتج محاور واضحة حول العالم.

كما أن أوزان الدول في المنطقة قد تغيرت؛ فالدول المؤثرة لم تعد تُقاس بالمعايير التقليدية، مثل المساحة أو عدد السكان أو حتى الأدوار التاريخية، بل أصبحت تُقاس بالنفوذ المالي والاستثماري والعسكري القادر على إحداث تأثير حتى على الدول الكبرى.

واليوم تتحرك الدول وفق حسابات اقتصادية وأمنية أكثر تعقيدًا من ذي قبل؛ لذلك فإن سيناريو التحالفات الصلبة ليس مطروحًا الآن، بل المطروح هو شبكات مرنة من العلاقات تحاول فيها كل دولة توسيع هامشها الاستراتيجي من دون الانخراط في تحالفات دائمة. ولهذا تُبقي دول المنطقة أبوابها مفتوحة للجميع، بدلًا من الانخراط في تحالفات قد تتحول لاحقًا إلى عبء استراتيجي.

لذلك يعيش الشرق الأوسط الآن مرحلة تعدد الشراكات، لا مرحلة الأحلاف الكبرى.

ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى