كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1470.. “”يفوز من يراهن على الزمن أم القوة؟””

في ظل الصراع بين إيران وأمريكا، يبدو أن أمرًا ما بدأ يتشكل، هذه ليست مفاوضات لإنهاء الحرب، ولكنها حرب لإعادة صياغة قواعد اللعبة.

من الذي سيتفوق في لعبة الصراع طويل الأمد؟
من يراهن على الوقت كأداة استنزاف، ومن يراهن على القوة كوسيلة ضغط؟

إيران تعرف، بعد خبرة العقوبات والحصار الطويل، أن الزمن يمكن أن يتحول إلى سلاح؛ فهي تراهن على إطالة أمد المفاوضات، مستفيدة من هشاشة الهدنة وحاجة العالم إلى تدفق النفط. وكل يوم يمر يمنحها فرصة لتعزيز أوراق الضغط، سواء عبر التحكم بالممرات، أو عبر إبراز قدرتها على الصمود أمام العقوبات.

الزمن ليس مجرد تأجيل، بل استراتيجية لتقويض الضغوط الأمريكية واكتساب شرعية تفاوضية إضافية، تُظهرها كقوة قادرة على فرض الشروط، لا مجرد طرف ضعيف يستجيب للإملاءات.

وإذا أردت مثالًا، عزيزي القارئ، فانظر كيف تدير الملف النووي؛ فهي لا ترفض التفاوض، لكنها تؤجل الحسم، وتطرح مقترحات تركز على وقف الأعمال القتالية وفتح المضيق، بينما تؤجل النقاش حول الملف النووي إلى مرحلة لاحقة.

وبهذا تبقى المفاوضات مفتوحة، لكنها تُفرَّغ من مضمونها، لتفرض إيقاعًا يجعل أمريكا في موضع الملاحِق لا المتحكم. إنها لعبة استنزاف محسوبة، يُستخدم فيها الزمن كأداة لإعادة توزيع موازين القوة.

أما الرهان الأمريكي، فهو على القوة، ولكن ليس بالمعنى العسكري المباشر كما كان في السابق؛ فلم تعد الصواريخ والطائرات هي الخيار المفضل، بل أصبحت العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية أكثر قوة وفاعلية وأقل تكلفة. فالقوة الأمريكية اليوم تتجسد في قدرتها على فرض حصار اقتصادي يضرب مفاصل الاقتصاد الإيراني، وفي قدرتها على حشد حلفاء دوليين لتضييق الخناق على طهران. إنها قوة ناعمة في الشكل، لكنها قاسية في المضمون، وهو ما يعكس قناعة أمريكية بأن القوة وحدها قادرة على فرض الحل.

لكن المفارقة أن الطرفين يملكان أدوات ضغط، دون أن يمتلك أيٌّ منهما القدرة على الحسم السريع.

فإيران تملك القدرة على تعطيل الملاحة ورفع أسعار النفط، لكنها لا تتحمل انهيارًا اقتصاديًا كاملًا.

وأمريكا تستطيع فرض حصار وعقوبات خانقة، لكنها لا تستطيع إجبار إيران على الاستسلام. هذه المفارقة تجعل المفاوضات ساحة اختبار للتوازنات الجديدة، حيث لا غالب ولا مغلوب، بل إدارة مستمرة للأزمة بانتظار لحظة تحول كبرى.

الرهان على الوقت مقابل الرهان على القوة ليس مجرد تكتيك تفاوضي جديد، بل هو انعكاس لفلسفة سياسية أعمق.

إيران ترى أن الزمن يعمل لصالحها، وأن العالم، في النهاية، سيضطر إلى قبولها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. وأمريكا ترى أن القوة هي الضمان الوحيد لفرض النظام الذي تريده، وأن أي تهاون يضعف موقفها العالمي.

وبين هذين الرهانين يقف العالم، ويقف النظام الدولي عند مفترق طرق، بينما يبقى الاقتصاد العالمي مختطفًا، ويظل الإنسان هو الضحية، انتظارًا لما يُتفق عليه في غرف التفاوض، أو لما يفرضه الواقع على الأرض.

ويظل العالم في انتظار نتائج زيارة الرئيس دونالد ترامب الي الصين فهل سيصمد عقد التنافس المنظم الذي كان يضمن الاستقرار؟ أم أننا على أبواب مواجهة مفتوحة، أدواتها الاقتصاد والتكنولوجيا، دون الانزلاق إلى فوضى تعيد رسم النظام العالمي؟

ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى