
كلمة العدد 1468.. (الدونالدية: منهج جديد للتفاوض)
شهدت سيناريوهات الحرب الأخيرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل منهجًا جديدًا من مناهج التفاوض، انتهجه الرئيس Donald Trump دونالد ترامب في التفاوض؛ إذ لا يسير على العرف الدبلوماسي المتعارف عليه، ولا على النهج التاريخي المتوارث في دهاليز السياسة، الذي سالت فيه أحبار الأقلام في الكتب في الميكافيليه وكتاب الامم وكتب الحكم ، وخبرات آلاف الدبلوماسيين.
فـدونالد ترامب ليس رجل دولة بالمعنى المعروف، الذي مرّ بمراحل التدرّج الدبلوماسي، ولا يؤمن بلغة الإشارات الخفية والإجراءات الروتينية؛ فهو رجل صفقات يرى العالم كسوقٍ عقاريٍّ ضخم، حيث توجد صفقات مربحة وأخرى قد تجلب الخسارة. سوقٌ، بمعنى أن فيه منافسين يحاولون خطف الصفقة أو المزايدة على السعر.
وحتى نتعرّف سويًا على أسلوب وعقلية ترامب التفاوضية، فإنه لا يمكنك العودة إلى أرشيف أساليب وزارة الخارجية، بل عليك بالعودة إلى كتابه فن الصفقه الصادر عام 1987، The Art of the Deal، والذي—حتى بعد ما يقرب من أربعين عامًا—يُعدّ كتالوجًا أو دليل تشغيل لشخصية ترامب السياسية، والطريقة الي ينتهجها في التفاوض و التي أطلقنا عليها نحن «الدونالدية»، نسبة الي اسمه والتي تعتمد على التهديد، والمسرحة الإعلامية، والضغط حتى اللحظة الأخيرة (حافة الهاوية).
ونحن نعتقد أن «فن الصفقة» ليس كتابًا علميًا أكاديميًا في التفاوض، بل هو تجارب شخصية لرجل «نيويوركي» يؤمن بأن الحياة سلسلة من الاختراقات؛ مبادئها بسيطة، وأحيانًا صادمة. خذ مثلًا حين يقول: «ضاعف خياراتك لتمنح نفسك دائمًا مخرجًا»، ومثلًا: «فكّر كبيرًا؛ لأن لا أحد يتذكر الصفقات الصغيرة»، ومثلًا: «لا تخشَ المخاطرة؛ لأن المجازفة المحسوبة تفرّق بين القادة والتقليديين»، ومثالًا آخر: «الأهم أن تعرف متى تنسحب، حتى لو كان الانسحاب مدويًا». تلك أهم مبادئه في كتابه.
لكن أهم ما يميّز ترامب، أو «الدونالدية»، هو الطابع المسرحي والإعلامي؛ فهو لا يتفاوض في غرف مغلقة فحسب، بل على خشبة مسرح مفتوحة، يخلق ضوضاء وتصريحات صادمة، يهدد بنار ودمار، وفجأة يعلن عن لقاء تاريخي أو صفقة «رائعة».
وهذا ليس عشوائيًا، بل هو ضغط نفسي منظم، هدفه النهائي ليس إبرام اتفاق متوازن، بل الخروج بصورة الرابح أمام جمهوره الداخلي. هكذا فعل مع الرئيس الأوكراني في أول لقاء، وهكذا فعل عند إمساكه بملف حماس في غزة، وهكذا فعل مع فنزويلا ، وهكذا يفعل الآن مع إيران.
«الدونالدية» طريقة تقع في المنطقة الرمادية بين الدبلوماسية والحرب الشاملة؛ فهي ضغط بلا استراتيجية واضحة، وخروج يحقق مكاسب سريعة، لكنها لا تبني ثقة، ولا تصنع حلولًا مستدامة.
ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش





