كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1469.. “المتاهة بين ولاية الفقيه وسلطة المرشد”

حقًا، عزيزي القارئ، نحن نعيش في زمن المتاهة؛ نتقلب بين أمرين ظاهرُهما الاختلاف، لكن باطنهما مشروع واحد بوجهين مختلفين.

هذه الحقيقة تفتح الباب أمام سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين جماعة الإخوان «سلطة المرشد» ونظام الملالي في إيران «ولاية الفقيه»، حيث يتراجع اختلاف المذهب أمام قاسم مشترك بين الطرفين، يتمثل في تحويل الدين إلى سلطة، والسلطة إلى امتداد للعقيدة.

وهنا تبدأ الحكاية، وهنا أيضًا تنكشف حدودها.

فعبر التاريخ، ومع جمال الدين الأفغاني، خرج الدين من فضاء الوعظ إلى أفق السياسة، فصار الحديث عن الأمة والخلافة إطارًا يتجاوز الفرد إلى الدولة.

ومع حسن البنا تحولت الفكرة إلى تنظيم يمتلك أدوات التعبئة، عبر خطاب يعد بالجمع بين الدين والدولة.

لكن مع سيد قطب بلغت الفكرة ذروتها؛ فأصبحت «الحاكمية» أصل المجتمع، وأداة لإعادة صياغته، وصارت السلطة امتدادًا مباشرًا للعقيدة. وهنا خرج المشروع من دائرة الفكر إلى مشروع حكم كامل، يطمح إلى إعادة تشكيل الواقع وفق تصور واحد للحقيقة.

هذه الصيغة لم تبقَ داخل الإطار السني فقط؛ ففي إيران التقط الخميني، مع ثورة ١٩٧٩، هذا المسار، وأعاد صياغته ضمن مفهوم «ولاية الفقيه».
فلم يعد رجل الدين مرشدًا روحيًا فحسب، بل صار مركز القرار السياسي، ومصدر الشرعية، وحارس المعنى.

وتسللت الفكرة إلى مؤسسات الدولة وعقل الحرس الثوري، وتحولت إلى أداة تعبئة وتوجيه.

وهنا يأتي التقاطع؛ مشروعان مختلفان في الشكل، لكنهما متطابقان في الجوهر.

وما يجمعهما يقوم على أربعة أعمدة: احتكار التفسير، وتديين السلطة، ونفي التعدد، وتجاوز الدولة الوطنية.

فالـ«مرشد» في الجماعة، و«الولي» في نظام الملالي، يحتكران السلطة الروحية، ويقدمان نفسيهما ممثلين للمقدس، ويطلبان من المجتمع الانطواء تحت تعريف واحد للحقيقة.

وهكذا تختفي السياسة داخل العقيدة، ويتحول الخلاف إلى خروج عن الجماعة أو تمرد على الدين.

هذا البناء يبدو متماسكًا في لحظات الصعود، ويمنح أتباعه يقينًا، ويخلق شعورًا بالتفوق الأخلاقي، لكنه مع أول احتكاك حقيقي بالواقع يكشف هشاشته.

وتجربة الإخوان قدمت المثال الأقرب؛ فالشعار لم يتحول إلى إدارة، والتنظيم لم يتحول إلى دولة.

وفي ٣٠ يونيو ٢٠١٣ لم تسقط سلطتهم فقط، بل انكشفت حدود وهشاشة الفكرة ذاتها، التي قدمت نفسها بوصفها «الحل»، فإذا بها تتحول إلى أزمة بامتياز.

وفي إيران، يحمل المسار المؤشرات نفسها؛ أزمات اقتصادية تتراكم، واحتجاجات تتكرر، وفجوة تتسع بين الدولة والمجتمع.

أما الشرعية التي استندت إلى القداسة، فأصبحت تواجه اختبار الواقع، وتفقد تدريجيًا قدرتها على الصمود.

والمسألة هنا لا تتعلق بسقوط أشخاص، بل بتآكل الفكرة التي تمنح السلطة غطاءها.

حين تتحول السياسة إلى عقيدة يصبح الفشل أكثر كلفة؛ فالسلطة تخسر، والتأويل الذي دعمها يفقد معناه.

وكل مشروع يحتكر المقدس يتحول، بمرور الوقت، إلى مصدر انقسام لا أداة وحدة، فيصبح المشروع الذي وعد بجمع الأمة سببًا في تعميق الفرقة وفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي.

ويبقى السؤال الأهم الآن: ما البديل؟

الإجابة لا تكون باستبدال مشروع بمشروع آخر، بل بكسر الحلقة نفسها.
فتجديد الخطاب الديني لم يعد خيارًا نظريًا، بل أصبح ضرورة سياسية وأمنية.

كما يجب أن نتوقف عن ترديد المقولة التي أطلقها الغرب بأن مجتمعاتنا «تُجيد إنتاج العقائد»؛ لأن مجتمعات الشرق الأوسط لا تحتاج إلى من يحتكر الإيمان، بل إلى من يبني الدولة، ويعترف بالتعدد، ويدير الاختلاف بعقل الدولة لا بمنطق الجماعة.

ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى