كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

آراء وتحليلات كلمة العدد 1489.. “”ملف المياه والدرس من العراق””

الماء أصل الحياة، ولولا مياه دجلة والفرات ما قامت حضارة بلاد الرافدين، وبلاد ما بين النهرين «العراق»، مهد أولى الحضارات الإنسانية.
في تلك الأثناء، لم تكن دولة تركيا ولا دولة إيران موجودتين، وكان نهرا دجلة والفرات نهرين وطنيين. ولكن بعد انهيار الدولة العثمانية وقيام الدولة العراقية، كانت هناك اتفاقات تضمن للعراق حصته من المياه، وهي حصة حاولت تركيا آنذاك، باعتبارها دولة المنبع، أن تتلاعب بها، لكنها لم تجرؤ على ذلك بالمستوى الذي يؤثر في الأمن المائي العراقي.
وكانت تركيا دائمًا تفكر في إقامة السدود داخل أراضيها من أجل احتكار المياه، ولكن وجود دولة قوية في العراق كان دائمًا يحول دون بناء السدود، ودون ذلك التفكير الذي يضر بالمصالح العراقية. بل إنها، في أقصى مراحل التوتر في العلاقات بين تركيا والعراق، لم تجرؤ على ذلك، واعتبر صدام حسين أن أي إجراء تركي في هذا المجال هو إعلان حرب على العراق.
ولأن العراق القوي صار جزءًا من الماضي، فإن تركيا اليوم تملك 22 سدًّا على نهري دجلة والفرات. وفي الجانب الإيراني، نشطت إيران في بناء السدود على الروافد التي تغذي نهري دجلة والفرات، في مخالفة واضحة للاتفاقات والقوانين الدولية التي تنظم ذلك.
والمفارقة هنا تكمن في أن كلًّا من الدولتين، تركيا وإيران، تملكان الآن علاقات قوية وجيدة مع العراق، ومع ذلك لم تراعيا حقوقه وحقوق شعبه المائية، في حين أنهما في الماضي لم تعملا على تهديد تلك المصالح، على الرغم من سوء العلاقات مع الدولة العراقية أيام صدام حسين والسر هو قوة الدولة وقدرتها على حماية مصالحها؛ فالعراق القوي لم يجرؤ عليه أحد.
وهذا نسوقه لمن يسأل: لِمَ كانت مصر، بعد الثورة، تتسلح سعيًا لبناء جيش قوي؟ لأنها أدركت أن إثيوبيا لم تكن لتجرؤ على بناء سدها لولا أن مصر كانت في لحظة ضعف، في ظل الثورة وحكومة الإخوان التي لم تكن تملك أدوات الضغط أو عناصر القوة الكافية لردع إثيوبيا عن بناء السد.
ومشكلة العراق تكمن في معالجة الحكومات المختلفة لموضوع حجز المياه من جانب تركيا وإيران؛ فالعراق، من دون موارد مائية، أراضٍ صحراوية قاحلة. والغريب أن مشكلة المياه لم يثرها العراق الدولة، مع تركيا وإيران، بل إنه حتى الآن لم يقدم شكوى رسمية على الصعيدين العالمي والدولي، ولم يتخذ أي إجراءات رادعة في حق الدولتين اللتين تغتصبان حقوقه المائية.

ويمتلك العراق الكثير من الكفاءات والخبراء في شؤون المياه، وأنشأ في سبعينيات القرن الماضي نظامًا للري كلفه المليارات للوصول إلى الاكتفاء الذاتي، لكنه الآن غير قادر على الدفاع عن حقوقه المائية في المحافل الدولية.
وتعتبر تركيا وإيران المياه سلعة تجارية، وتضربان عرض الحائط بكل الاتفاقات والقوانين الدولية التي تنص على احترام حصة دولة المصب، وتراهنان على اعتبار العراق سوقًا للمياه، سيضطر إلى شرائها منهما مستقبلًا.
ذلك، بإيجاز، هو الدرس الذي لا بد أن ندركه ونتعلمه ونحن نتعامل مع ملفنا المائي؛ حتى لا يتكرر السيناريو نفسه بالإضرار بمصالحنا. ونحن على اتفاق وقناعة مع القيادة السياسية وصانع القرار المصري بأن الدولة القوية عسكريًا واقتصاديًا لن يجرؤ عليها أحد، ليس في ملف المياه فقط، وإنما في حماية جميع المصالح والحقوق في بعدها الاستراتيجي، وهو ما نعتقد أنه حاضر في وجدان وضمير صانع القرار المصري.

ولكم تحياتي،

محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى