
كلمة العدد 1486.. “”الأحزاب وحقيقة الانتساب!””
دائمًا ما نسمع الدعوة إلى مشاركة الشباب في الحياة الحزبية والسياسية، على اعتبار أن ذلك سيساعد على إعداد كوادر مصرية شابة، قادرة على التعامل مع المتغيرات السياسية، بعد تجريف أغلب الكفاءات والنخب السياسية؛ حيث نرى، تقريبًا، النماذج نفسها والأشخاص أنفسهم منذ أكثر من أربعين عامًا.
يكشف هذا الأمر عن حقيقة مهمة، وهي أن الأحزاب لم تعد تؤدي دورها في تدريب الشباب ومساعدتهم على المشاركة والانخراط في العمل الحزبي والسياسي؛ وهو ما دفع كثيرًا منهم إلى النظر إلى هذا الأمر بتحفظ وشك، بل وبكثير من اللامبالاة.
وفي ظل ظاهرة أخرى، تتمثل في انتقال عدد من النخب السياسية وتنقلها بين الأحزاب، تبعًا للحسابات الانتخابية وتغيُّر موازين القوى الحزبية، لم يعد هناك شيء يُسمى الولاء للانتماء الحزبي؛ الأمر الذي يفرغ الأحزاب من كوادرها، ويُخرجها عن أساس وجودها، وهو الانتماء إلى برنامج فكري وسياسي تسعى الأحزاب إلى تحقيقه عبر صناديق الانتخاب، كما يهدم وجودها الفكري والأخلاقي.
وظاهرة التنقل هذه ربما تدفع المتخصصين إلى دراسة أسبابها، والاتفاق على إطار حزبي وأخلاقي لتنظيمها. وربما كانت سهولة الانتقال سببًا، وربما كان السبب أيضًا عدم جدية الخطاب السياسي والخط الحزبي الذي يتبناه كل حزب؛ فنرى مَن ينتقل بين الحزب ونقيضه، ومن موقع الأغلبية إلى المعارضة، من دون تفسير فكري أو سياسي؛ ما أدى إلى الاعتقاد بأن السياسة مجرد مجال لتبادل المواقع والمصالح، وليست فضاءً للدفاع عن مشروعات مجتمعية وبرامج حزبية.
ومما يعزز وجهة النظر هذه حدوث تلك الانتقالات قُرب كل انتخابات برلمانية؛ حيث نجد الرموز تنتقل من هنا إلى هناك، متناسيةً مبدأ الالتزام الحزبي.
ونحن لا نعتقد أن الشباب المصري يفتقد، بطبيعته، الاهتمام بالشأن العام؛ فحضوره المكثف في النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، واطلاعه على قضايا التعليم والعمل والصحة والعدالة الاجتماعية والرياضة والفنون وغيرها، يؤكدان حقيقة أنه يتابع ما يجري، وأنه غير منفصل عن مشكلاته الحقيقية وقضايا مجتمعه الحياتية.
فأين تكمن المشكلة إذًا؟
في تقديرنا، تكمن المشكلة في المسافة التي تفصل بين الاهتمام بالشأن العام والانخراط في المؤسسات الحزبية التقليدية؛ حيث يتساءل كثير من الشباب: ماذا سيضيف إليهم الانضمام إلى حزب سياسي؟ وهل سيجدون ذلك الفضاء من الحرية للتعبير عن آرائهم، كما يفعلون على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل يمكن أن يجد الشاب مكانه من خلال كفاءته، أم أن الأمر محسوم بالولاءات الداخلية والعلاقات السياسية؟
يحتاج الشباب إلى أن يروا أن لأصواتهم تأثيرًا أمام القيادات السياسية التقليدية، وهو ما لم يحدث؛ فأدى إلى العزوف والابتعاد والانطواء، وترك الفرصة لمحترفي التنقل بين الكراسي الحزبية.
ولا يمكن تفسير هذا العزوف على أنه موقف ضد الوطن، وليس بالضرورة انعدامًا للوعي؛ ولكننا نراه، في أغلبه، احتجاجًا صامتًا على طريقة ممارسة السياسة في الأحزاب عمومًا.
والأصل في السياسة الحزبية أن ينتمي الإنسان إلى حزب يمثل أفكاره وميوله ومعتقداته السياسية، ويسعى من خلاله إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين جميعًا. وليس معنى دعوتنا إلى الالتزام الحزبي أن يتحول الحزب إلى ثلاجة أو سجن للأفكار؛ فقد تتطور أفكار السياسي وتتبدل قناعاته، لكن المشكلة تكمن في أن يكون التجوال بين الأحزاب بسبب الانتخابات، أو لتحقيق مكاسب شخصية، أو للوصول إلى مواقع النفوذ.
وعلى كل حزب وسياسي أن ينتبه إلى الصورة الذهنية التي يقدمها للشباب؛ حيث تُقدَّم الأحزاب على أنها سوق مفتوحة للفرص والحسابات الشخصية، على الرغم من كونها مؤسسات اجتماعية وسياسية يُفترض أن تنتج الأفكار والنخب والبرامج.
وربما حين تستعيد الأحزاب السياسية هذا الدور، يجد الشباب فيها مجالًا يستحق المشاركة، لا مجرد محطات عابرة في مسارات الباحثين عن المقاعد الوثيرة والامتيازات الشخصية.
مع تحياتي،





