
كلمة العدد 1493.. “”في لعبة الحرب، من ينتصر: الزمن أم القوة؟””
فتحت الحالة الأمريكية الإيرانية الباب على مصراعيه أمام سؤال حائر يبحث عن إجابة: من يفوز في الصراع الأمريكي الإيراني: الوقت أم القوة؟
لكن هذه الحرب تثبت أن الطرفين يتعاملان مع الزمن بوصفه عنصرًا غير محايد؛ إذ إن كل يوم يمر دون اتفاق بين الطرفين يفرض تكاليف على كل طرف، وكل جولة تنتهي دون اتفاق تتحول إلى اختبار جديد في القدرة على التحمل.
ما بين الصمود الإيراني الظاهري، استغلالًا للزمن، وسعي الولايات المتحدة إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى تنازلات إيرانية، تحاول إيران أيضًا تفادي تسوية تحت ضغط القوة، مع الاحتفاظ بما يكفي من أوراق النفوذ لمنع أمريكا من إعلان انتصارها السياسي.
أمام هذين الهدفين، يصبح السؤال الأساسي الآن ليس ما يريده الطرفان من الاتفاق، بل ما يمكن أن ينتزعه طرف من الآخر إذا انتظر أكثر. تراهن إيران على أن كلفة الانتظار قد ترتفع على خصمها قبل أن تصل هي إلى نقطة الانهيار، وتدرك فعلًا أن تهديدها لتدفق النفط والغاز يوسع دائرة الأزمة، وينقل آثارها من الميدان العسكري إلى محطات الوقود والمصانع والأسواق وجيوب الأسر؛ بما يجعل من هذه الحرب قضية أمريكية داخلية، وليست مجرد مواجهة بعيدة جغرافيًّا.
والرهان الإيراني ليس فقط على النفط والملاحة، ولكنه يمتد إلى الأجندة السياسية الأمريكية. فمع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في ٣ نوفمبر، تصبح أسعار الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة عبئًا على إدارة ترامب، في الوقت الذي تحاول فيه إظهار أن الحرب قد حققت نتائج ملموسة.
وهنا تأتي أهمية الوقت الذي أصبح له أثر؛ فبينما تراهن أمريكا على القوة العسكرية والاقتصادية، تراهن إيران على استنزاف خصمها عبر الانتظار. فمن يدرك أهمية لعبة الوقت بشكل جيد قد يحقق نصرًا دبلوماسيًّا في نهاية المطاف.
ولكن، في أثناء هذه اللعبة، لعبة الزمن بين الطرفين، فإن تكلفة الحرب لا تقف فقط عند حدود إيران وأمريكا، بل تتعداهما لتصل إلى كل الدول المستوردة للطاقة والمصدرة لها، والمعتمدة على التجارة البحرية.
وتجد دول الخليج نفسها أمام معادلة جديدة؛ فهي ملزمة بحماية أمنها واقتصادها، وهي الخاسر الأكبر من تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة طويلة تعطل التجارة وتوسع دائرة المخاطر.
ومع ذلك، فالزمن أيضًا ليس في صالح إيران؛ إذ إن إطالة أمد المواجهة تزيد من هشاشة اقتصادها، واستمرار استخدامها ورقة إغلاق المضيق قد يدفع الدول إلى تعزيز ترتيباتها الأمنية واستحداث طرق بديلة لنقل الطاقة، مما يقلل من قيمة هذه الورقة مستقبلًا في يد إيران.
ختامًا، قد تراهن إيران على تعب أمريكا من كلفة المواجهة قبل انكسار إيران، وتراهن أمريكا على أن الضغط، مع الوقت، سيجبر إيران على تقديم تنازلات. فالقوة وحدها ليست حلًّا مستدامًا، والزمن قد لا ينحاز تلقائيًّا إلى طرف على حساب الآخر.
ولكم تحياتي.
محمود صلاح قطامش





