كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1494.. “هل عادت الدولة الوطنية؟”

بعد سنوات من الصراع في العالم العربي بين الدولة الوطنية ومشاريع كبرى أرادت تجاوزها أو إعادة تشكيلها، هل صمدت الدولة الوطنية أمام هذه المشاريع؟

من بين تلك المشاريع برزت القومية؛ حيث حلم القوميون بدولة عابرة للحدود، بشعارات شعبوية لاقت دعمًا جماهيريًّا. وبرز كذلك الإسلام السياسي، مستمدًّا شرعيته من الدين الذي يتجاوز مفهوم الدولة. وبرز كذلك اليسار الشيوعي، الذي كان يبشّر بتغيير اجتماعي واقتصادي ينهي علاقات الهيمنة والاستغلال التي تفرضها الدولة، من وجهة نظر أنصاره.

كل هذه التيارات، وربما غيرها، اختلفت في الأفكار والغايات، ولكنها اشتركت في مفهوم واحد: أن الدولة الوطنية ليست الإطار النهائي والمكتمل للحياة السياسية، وأن عليها، أي تلك التيارات، إعداد مشروع يعيد صياغة المجتمع والتاريخ لبناء مستقبل مختلف.

واليوم، نرى أن كل هذه الأيديولوجيات الكبرى لم تعد قادرة على التعبئة، على الرغم من الدعم الذي تتلقاه من جهات أخرى. وقد فقد خطابها الشعبوي قدرته على حشد الجماهير وتعبئتها، وعادت الدولة الوطنية تتصدر المشهد، ليس بوصفها النموذج المثالي، ولكن بوصفها إطارًا يصعب تجاوزه والاستغناء عنه.

فقد أظهرت الحروب العربية وثورات الربيع العربي الأخيرة أن تفكيك الدولة الوطنية لا يفضي بالضرورة إلى الحرية المطلوبة، ولا العدالة المنشودة، ولا الوحدة المرغوبة شعبيًّا. وأثبتت أن الفراغ الذي تتركه الدولة الوطنية سرعان ما تملؤه الميليشيات وشبكات التدخل والمصالح الخارجية والفوضى.

وعندما تسقط الدولة الوطنية، تتراجع كل الشعارات أمام سؤال واحد: مَن يستطيع حماية الناس ومقدراتهم، وإدارة الاقتصاد، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار، وإطعام المواطنين؟

وهنا السؤال المحوري: هل انتصرت فكرة الدولة الوطنية، أم أن خصومها هم الذين فشلوا في إقناع الناس وحشدهم حول أفكارهم وبدائلهم المقترحة؟

لقد اتسعت الفجوة بين الوعود والواقع، عندما تعثرت التنمية وتراجعت الحريات، ولم تعد الشعارات المرفوعة قادرة على حجب إخفاقات تلك الأيديولوجيات، من القومية إلى الدولة الدينية إلى اليسار الشيوعي.

واكتشفت هذه الأيديولوجيات أن العدالة الاجتماعية لا تزال مطلبًا، والتكامل العربي ضرورة، والعلاقة بين الدين والسياسة موضع نقاش دائم. وتراجعت قدرة أيٍّ منها على احتكار الحلول؛ إذ لا يملك أيٌّ منها الحل الأمثل. واكتشفت أيضًا أن المجتمعات العربية أكثر تنوعًا من أن تُختزل في عقيدة سياسية واحدة أو أيديولوجيا دينية واحدة.

إدارة الدولة تحتاج إلى مؤسسات وكفاءة وتوافق، والشعارات وحدها لا تكفي. وإن أردت، عزيزي القارئ، أمثلة، فالواقع العربي يقدّم العديد من الأمثلة والتجارب في ليبيا والسودان واليمن وغيرها، مقابل دول حافظت على تماسكها واستمرت، على الرغم من تأثرها بمحاولات التغيير.

وبالتالي، فإن المحصلة النهائية بعد هذا الصراع هي أن الأيديولوجيات ربما تستطيع حشد الجماهير وتعبئتها، وقد تستطيع إسقاط الحكومات، لكنها لا تستطيع وحدها بناء حياة مشتركة مستقرة، واقتصاد قوي قادر على تحقيق تطلعات المواطنين وأحلامهم.

وهنا أدعوك، عزيزي القارئ، إلى قراءة الرواية الرمزية «مزرعة الحيوانات»، للكاتب جورج أورويل، التي كتبها نقدًا للاستبداد، مستلهمًا أحداث الثورة الروسية.

ولكم تحياتي.

محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى