
كلمة العدد 1483.. “هجوم دمياط… ضربة في الحياد”
بعد الضربات الإيرانية بالمسيّرات على عُمان، التي كانت تقود وساطات تاريخية بين إيران والولايات المتحدة، تأتي حادثة المسيّرة في ميناء دمياط؛ الأمر الذي نعتقد أن هدفه لم يكن إحداث أضرار بقدر ما كان توجيه رسالة واضحة إلى مصر مفادها أن الحياد ليس كافيًا للبقاء بعيدًا عن الصراع الدائر في الخليج بين الولايات المتحدة وإيران.
فالحادث ليس مجرد واقعة أمنية مرتبطة بالتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، بل مؤشر على انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة، تتجاوز المواجهة التقليدية نحو استهداف البنية الاقتصادية وشبكات الطاقة أينما وُجدت في الشرق الأوسط.
وربما يحمل الهجوم رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن قواعد الردع التي حاولت فرضها لم تمنع خصومها من توسيع نطاق الاستهداف.
أما الرسالة الأهم، فربما تكون موجَّهة إلى القاهرة، ومفادها أن سياسة الحياد والتمسك بدور الوساطة لا توفران، بالضرورة، حماية أو حصانة من تداعيات الحرب.
ولا تكمن دلالات الهجوم في حجم الأضرار، بقدر ما تحمله من أبعاد استراتيجية؛ فهي المرة الأولى التي يصل فيها الاستهداف إلى أحد أهم موانئ البحر المتوسط، ما يعني أن جغرافيا المواجهة قد تتسع، وأنها لم تعد محصورة في الخليج أو البحر الأحمر، بل قد تمتد إلى المعابر اللوجستية للطاقة التي تعتمد عليها شركات الطاقة بعد الاضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب.
وبغض النظر عن معرفة الجهة التي أطلقت المسيّرة، على الرغم من أهمية ذلك، وهي مسؤولية الدولة المصرية التي يتعين عليها الكشف عنها، فإن اختيار ميناء دمياط لم يكن عشوائيًا؛ فقد تحولت دمياط إلى أحد أهم المعابر اللوجستية التي تعتمد عليها مصر في إدارة تجارة الغاز والطاقة، وأصبحت بديلًا لبعض الأنشطة التي كان مركزها موانئ البحر الأحمر، وهو ما يمنح الاستهداف قيمة اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الخسائر المباشرة.
كما أن الضربة كانت، من حيث حجمها، مدروسة ومخططًا لها بدقة؛ لتجنب سقوط ضحايا مصريين، في محاولة لعدم دفع مصر إلى رد مباشر، مع الإبقاء على الرسالة الموجَّهة إلى الولايات المتحدة والعالم، وهي أن مصالحهم جميعًا باتت عُرضة للاستهداف خارج منطقة الخليج.
وتعزز القراءة الاستراتيجية لمسار التصعيد الانطباع بأن إيران باتت تعمل على توسيع ساحات الضغط، ليس من خلال مواجهة عسكرية مباشرة تدرك أنها قد تخسرها، وإنما عبر استهداف الممرات الاقتصادية ومنشآت الطاقة المرتبطة بمصالح الولايات المتحدة والعالم.
لكن هذه الضربة تضع مصر أيضًا أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فقد سعت طوال الوقت إلى الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وعلاقاتها الوثيقة بدول الخليج، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران، جنبًا إلى جنب مع قطر وباكستان وتركيا.
ويكشف الأمر حقيقة مهمة، وهي أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الجغرافيا أو سياسة الحياد كافيتين لإبعاد الدول عن تداعياتها. كما قد يكشف بُعدًا جديدًا في مفهوم الحرب الحديثة، التي تجاوزت استهداف الجيوش إلى استهداف شبكات الطاقة وطرق التجارة التي يعتمد عليها الاقتصادان الإقليمي والعالمي.
ولكم تحياتي،





