كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد ١٤٨٨.. “”عالم جديد يعاني حتى يولد!””

يبدو أننا اليوم نعيش في زمن خلاف الزمن، في وقت ضائع نعاني فيه من فوضى عالمية في الأخلاق والقيم والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ناتجة عن الفراغ القيمي؛ وكأننا في مرحلة انتقالية، الكل يحاول النجاة بنفسه، والكل يحاول فرض رؤيته، والكل في الوقت نفسه يحاول تفصيل نظام على مقاسه ووفق رؤاه.

نحن في زمن ينطبق عليه ما قاله الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي: «عالم قديم يحتضر، وعالم جديد يعاني حتى يولد… إنه عالم وحوش».

وكما سبق وأسلفت، الكل في هذا العالم يسعى إلى تفصيل نظام عالمي على مقاسه؛ من أمريكا إلى روسيا، ومن الصين إلى الاتحاد الأوروبي. ونحن، في منطقة الشرق الأوسط، نعاني وسندفع في النهاية الثمن الباهظ؛ حيث لا يبدو أننا نملك مشروعًا بديلًا لكل هذا الجنون الذي يجري حولنا، لأننا، باختصار، لسنا في حالة وحدة مع أنفسنا، ولا حتى مع أهدافنا التي نأمل تحقيقها.

إنها لحظة رمادية تكثر فيها الوحوش، وتضيع فيها الاتجاهات، ونفقد البوصلة. نحن في لحظة من التاريخ ندفع فيها فاتورة أخطاء أسلافنا. إن لم نفق هنا، في الشرق الأوسط بشكل عام، فلا نلوم إلا أنفسنا.

لا مجال لغض النظر عن الخلل، ولا مجال للتراخي في صناعة حاضرنا؛ حفاظًا على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا. ولأجل ذلك، لا بد من صياغة هوية وطنية ومشروع إنساني وطني لكل دولة من دول الإقليم، وإلا سيظل الآخر هو من يرسم لنا داخلنا بأدواته الحديثة والعصرية؛ بالإعلام والأفلام والشعارات والنماذج التي تُقدَّم لنا لتمجيدها، حتى يُعاد رسم الخرائط بواسطة سماسرة الخراب، وحتى يتقاسموا الغنائم.

إنه عالم مجنون، بدأ باستبدال البشر بالآلات، وانتهى باستبدال الذكاء البشري بآخر اصطناعي، فماذا بقي للإنسان بعد ذلك؟!

نحن نعيش زمن الوحوش الذين يحاولون خلق زمن جديد أكثر تطرفًا وأكثر وحشية، قوانينه وفق مصالحه. ربما سننجو كما حدث بعد الطوفان بسفينة نوح، وربما سنفيق، وربما لن ننجو ونندثر كما اندثرت حضارات سابقة.

أرجوك، عزيزي القارئ، أن تعذرني وأنا أراقب كل هذا اللامعقول والعبث حولنا، وكل هذا الانفلات الأخلاقي في القيم الإنسانية لعالم كنا نراه ونعتقد أنه متحضر.

هذا القتل الذي كان فيه شعب يُذبح يوميًّا، وتدمير مقدراته ومنازله وسكناه ومزارعه وبنيته التحتية، والمستمر حتى الآن، دون أن يتحرك أحد، على الرغم من أنه في مكان آخر لا يقبل الاعتداء والعدوان، وقد اجتمع وتجيّش، وصدرت قراراته، وأعلن عن مقاطعاته لنصرة ذلك الشعب الآخر. والمقارنة هنا بين غزة وأوكرانيا.

لا منطق يحكم الأمور، فقط الأهواء والمصالح هي من تحكم. وإلى أن يعترف الآخر بأنه لن يكون حرًّا إلا إذا قبل أن يكون الآخر حرًّا مثله، وله الحق في الحياة مثله، فحينها ربما ندرك أننا في حفرة، وعلينا التوقف عن الحفر، كما تقول الحكمة القديمة، أو ننتظر إلى أن يحدث طوفان آخر وسفينة نوح جديدة تنقذنا، وإلا سنبقى في طابور التعذيب والقتل وعذاب الضمير.

مع تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى