
كلمة العدد 1487.. “:الإخوان مرة أخرى!””
يطل علينا الإخوان مرة أخرى بعد كشف التسجيلات لمحاور لقاءاتهم المستمرة، والتي أظهرت قدرة الأمن المصري على اختراقهم. وبعد خمسة وثمانين عامًا، سقط الإخوان، وتفككت القيادة، وأُغلقت المقرات، وساد الاعتقاد بأن الجماعة، عندما فقدت مركزها، ستنتهي، وهو الأمر المنطقي والبديهي. فهل سقط الإخوان ولم تسقط الإخوانية، حيث تم الاحتفاظ بالفكرة؟ والفكرة تسافر دون سفر، ولا تحتاج إلى مقر، وربما تعود إذا وجدت طريقها إلى دولة ضعيفة، أو مجتمع مرتبك، أو سياسة تخشى مواجهة التابوهات.
وظهورهم بالشكل الأخير، الذي أظهره الأستاذ عبد الرحيم علي، ربما يعكس خطأً استراتيجيًا. فهل أخطأنا في التعامل مع الإخوان عندما تعاملنا معهم كحزب سياسي يمكن تصفيته؟ والتاريخ يخبرنا دومًا بأن هذا التنظيم أُنشئ ليكون منظومة متداخلة، أو خلطة سحرية، بين الدعوة والسياسة والاقتصاد والعمل الاجتماعي والعمل التنظيمي المعقد تاريخيًا. وربما أيضًا أن هذا التنظيم لم يمت؛ إذ كان يخرج في كل مرة من تحت الركام. حتى الانشقاقات الأخيرة، التي ضربت رأس التنظيم، لم تقتله، وبدا لنا أن التنظيم سيأكل نفسه. لكن ما حدث أمر يدعو إلى التأمل؛ فلقد تشقق الرأس وبقي الجسد، وبقي الجسد حيًا، حيث تعلمت الأطراف أن تعمل باستقلال، وتحصل على الدعم من بيئاتها المحلية، حتى تحولت الجماعة من هرم تنظيمي إلى أرخبيل من الشبكات.
ربما يفسر هذا لماذا لا تكفي مراقبة أموال التنظيم لمعرفة قوته؛ ففي اليمن والسودان، لا يحتاج التنظيم إلى حوالة من التنظيم الدولي عندما يستطيع بناء مصالح داخل الاقتصاد الوطني، والنفاذ إلى جسم الدولة، وإدارة شبكات اجتماعية وتجارية وإعلامية، وأن يرتبط بتنظيم أو تشكيل مسلح. ففي اليمن، استطاع عبر حزب الإصلاح، بما يملك من نفوذ ورجال وسلاح وموارد وامتداد قبلي، أن يجعلنا نقف اليوم أمام واقع جديد يتجاوز الحزب السياسي إلى مجتمع عسكري قادر على حماية الأيديولوجية بالسلاح.
أما في السودان، فقد كانت ثلاثة عقود كافية للتنظيم للتغلغل والنفاذ إلى مفاصل الدولة. سقط عمر البشير، ولكن ثلاثين عامًا من البناء والشبكات والمصالح لم تسقط. والحرب السودانية الآن تعيد إلى الأذهان مدى نفوذ الإسلاميين وشبكات النظام السابق، وأثبتت أيضًا أنه من السهل إسقاط رأس النظام، لكن من الصعب إخراج الأيديولوجيا من المؤسسات التي سكنت فيها واستقرت لسنوات.
ولسنوات، استفادت إيران من الإخوان عبر تقاطع المصالح، الذي نسج علاقات أعمق مما توحي به الفوارق المذهبية. ويكفي أن تعلم أن قيادات القاعدة وعائلاتهم كانت تقيم في إيران في مراحل مختلفة من عمر التنظيم.
إن إيران لا تحتاج إلى امتلاك الجميع، بل تحتاج إلى الفراغات: تحتاج إلى دولة ضعيفة، وجماعة مسلحة، وميناء مضطرب، وممر قابل للابتزاز، وهوية أيديولوجية تتقدم على الهوية الوطنية. عندها تتحول الجغرافيا إلى سلاح، وبهذا يصبح البحر الأحمر امتدادًا لمعادلة بدأت إيران بناءها منذ عقود؛ من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، وإلى البحر الأحمر عبر باب المندب. حتى يأتي السابع من أكتوبر ليكشف حقيقة هذه التشابكات؛ حيث حماس، التي خرجت من رحم الإخوان، وحصلت على الدعم الإيراني لسنوات، وتتحرك الساحات في جنوب لبنان، والحوثيون، والعراق، وكانت سوريا مرشحة للانضمام إلى هذه الأوركسترا الشيطانية.
لترى الحقيقة ماثلة أمامك: جهيمان العتيبي، وأسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، والزرقاوي، والملا عمر، والبغدادي، لم يكونوا تنظيمًا واحدًا، ولم يتخرجوا في مدرسة تنظيمية واحدة؛ لكنهم جميعًا منتجات الإسلام السياسي المتطرف. تغيرت الأسماء، وتبدلت الرايات، وقُتل بن لادن والزرقاوي والظواهري، وسقطت دولة داعش، وأُخرج الإخوان من مصر، ومع ذلك بقي المصنع الفكري قادرًا على الإنتاج.
وهنا نكتشف خطأنا الاستراتيجي: نحن حاربنا التنظيم وتركنا الفكرة. كان الاسترضاء أسهل من المواجهة الفكرية، والاسترضاء لا يهدم الأيديولوجيا، لكنه يمنحها الوقت للعودة من جديد أقوى وأكثر خطرًا.
وخلاصة القول: لم تعد مواجهة الإخوان قضية أمنية، لكنها معركة لاستعادة الدين من التنظيم، والمواطن من الجماعة، والدولة من الأيديولوجيا. والفكرة ستعود من جديد، وربما باسم جديد، ما دامت السياسات تخشى مواجهة المصنع الذي ينتج هذه الأفكار مجتمعة.
ولكم تحياتي،





