
كلمة العدد 1495.. “”من أوباما إلى عبدول.. كيف تغيّر الناخب الأمريكي””

لا يمكنك، عزيزي القارئ، متابعة الانتخابات الأمريكية بمعزل عن دراسة ما حدث في عقل الناخب الأمريكي وطريقة تفكيره منذ عام ٢٠٠٨؛ تلك اللحظة التي انتُخب فيها باراك أوباما أول رئيس أسود للولايات المتحدة، مرورًا بانتخاب إلهان عمر، الصومالية المسلمة، ثم انتخاب زهران ممداني عمدةً لنيويورك.
عاد باراك أوباما إلى ديترويت لنصرة المرشح الديمقراطي المسلم ودعمه، في مواجهة حملة تشكيك في هويته وولائه الوطني. وبعد أن اعتقد البعض أن السياسة الأمريكية تخلّصت من عقدة الهوية، التي خسرت معركتها مع باراك أوباما، عادت هذه العقدة لتتجسد من جديد مع «عبدول»؛ الاسم الذي أربك حسابات ترامب.
فأوباما لم يكن مسلمًا، على الرغم من أن اسمه الأوسط «حسين»، أما «عبدول» فيخوض الانتخابات بهويته المسلمة، التي لم يُخفِها، ولم يرَ فيها ما يستدعي الاعتذار أو التبرير، في اللحظة التي يُطلب منه فيها أن يثبت أن انتماءه الديني لا يتعارض مع انتمائه الوطني.
وُلد الطبيب عبد الرحمن السيد في ميشيغان عام ١٩٨٤ لأبوين مصريين مهاجرين، ونشأ في ديترويت. وجاء إلى السياسة من مسار أكاديمي ومهني مختلف؛ إذ درس في جامعة ميشيغان، واستكمل دراسته في أكسفورد، ثم تابع دراسة الطب في جامعة كولومبيا، وعمل في مجال الصحة العامة، قبل أن يتولى إدارة الصحة العامة في ديترويت عام ٢٠١٥.
وفي عام ٢٠١٨، خاض السباق لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ميشيغان، وقدّم برنامجًا تقدميًا يركز على الرعاية الصحية والتعليم الميسّر. ورغم أنه لم يحصل على الترشيح، فقد اكتسب حضورًا وطنيًا.
وبعد سنوات، عاد للمنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ، في سباق هو الأكثر حساسية؛ لأن نجاحه يعني دخول أول مسلم إلى المجلس. وقد واجه صعوبات منذ بداية ترشحه، كما واجه انقسامًا وصل إلى حدّ دعم نائبة ديمقراطية من حزبه مرشحًا منافسًا، في سابقة من نوعها. واستُخدمت في وصفه وانتقاده نعوت مثل «الجهادي»، ورُبط اسمه بالإخوان المسلمين، كما انتقده ترامب، لكنه نجح.
ومع نجاحه، أثبت أن المجتمع الأمريكي قادر على تجاوز الحواجز التي تبدو راسخة، حتى وإن لم يتخلّص منها نهائيًا. فالديمقراطية لا يمكن أن تُقاس بقدرتها على فتح أبواب المؤسسات أمام المختلفين فحسب، بل أيضًا بقدرتها على منع تحويل اختلافاتهم إلى تهمة.
أمريكا اختلفت اليوم؛ فلم يعد الحزبان يتباريان في دعم إسرائيل، بل أصبح التباري، على العكس، حول إيقاف الدعم لها، حتى وإن كان ذلك ظاهريًا. وأصبحت «إيباك» مؤسسة مشبوهة لا يطلب السياسيون دعمها.
لقد اختلفت أمريكا منذ لحظة انتخاب أوباما، التي كانت دليلًا على تجاوزها الإرث العنصري، وهي اليوم تتجاوز اختبارًا آخر لا يتعلق بالعرق، بل بالدين وموقعه داخل مفهوم المواطنة الأمريكية.
نجح عبد الرحمن السيد وإلهان عمر، وآدم حموي وغيرهم ليؤكدوا جميعا علي قدرة أمريكا على تجاوز الحاجة المتكررة إلى اختبار هوية المرشح قبل مناقشة أفكاره.
ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش




