
كلمة العدد 1490.. “”ماذا بعد الذكاء الاصطناعي؟””

بعد الاجتماع الأخير بين القوتين الأكبر، أمريكا والصين، الذي كان من بين موضوعاته الذكاء الاصطناعي، وتطويره أو عدم تطويره، وبعد انشغال الصين والولايات المتحدة بصراع محتدم في الإنفاق العسكري يتجاوز ٢٫٤ تريليون دولار، تتحرك عواصم البحث العلمي الأوروبية، بعيدًا عن هذا الصخب وفي الظل، لترسم مشهد المستقبل؛ إذ تدور في الخفاء رحى ثورة كونية صامتة، خلف قناع أوروبا العجوز المثقلة بالتراجع الديموغرافي.
تتحدث الصحف الأوروبية عن مختبرات الظل وقاعات «سيرن» المغلقة، وعن إعادة اكتشاف هندسة الكون في محاولة للحاق بركب العصر. إنها قفزة صريحة، ربما تكون مظفَّرة، نحو امتلاك مفاتيح الوجود نفسه، ورهان استراتيجي مرعب لإزاحة عمالقة العصر وإعادة كتابة تاريخ البشرية من موقع السيادة المطلقة. وتتحدث الصحف الأوروبية عن رفض القارة العجوز أن تبقى المتحف الكبير الذي يستهلك التكنولوجيا ويؤدي دور الشريك التابع.
وفي الوقت الذي يشتعل فيه الصراع في العالم على أشباه الموصلات التقليدية، وتسيطر آسيا على ٧٥٪ من الإنتاج العالمي، لا تراهن أوروبا اليوم على الكميات، بل على التفوق النوعي المطلق. ففي أعماق الأرض، وعلى امتداد ٢٧ كيلومترًا بين سويسرا وفرنسا، وتحت غطاء من التكتم الشديد داخل مجمع أبحاث «سيرن»، تجري تجارب فائقة الحساسية تعيد كتابة قواعد الوجود، من خلال ابتكار صور معكوسة للذرات عبر قلب شحناتها ودورانها، لفتح أبواب جديدة نحو أبعاد حقيقية تقع خارج حدود الفيزياء المألوفة.
وتَعِد هذه التجارب بثورة جذرية تغيّر وجه البشرية، وتمهّد الطريق أمام مصادر طاقة مطلقة. وحتى على الصعيد الطبي، تقدم طفرات تشخيصية وعلاجية فائقة الدقة، متجاوزةً الحدود المألوفة للطب التقليدي. بل تمتد إلى أبعد من ذلك، لتفتح آفاقًا ثورية في النقل، عبر تطوير أنظمة دفع ميداني تعتمد على التحكم في الجاذبية، وتوفر طاقة دفع صاروخية لاختصار المسافات في الفضاء، وصولًا إلى آفاق الهندسة الكونية بعيدة المدى، التي تتيح للبشرية القدرة على هندسة المكان والزمان، والسفر بين الكواكب في زمن قياسي.
وهنا، ومن قلب هذه الأسرار، تقف الفلسفة الأوروبية أمام حيرة أخلاقية ومخاوف جدية من عسكرة هذه الاختراقات، لتطرح السؤال: هل تملك البشرية، أخلاقيًّا، حق العبث بالثوابت الكونية وتحويل أسرار الوجود إلى أدوات للصراع والفناء؟
إنه المستقبل الذي يحمل ثورة في البحث العلمي، تتهاوى فيه الحدود الفاصلة بين الخيال العلمي والواقع. إنها ثورة تركز على كسر قواعد النماذج الفيزيائية الحالية، وتحويل المستحيل النظري إلى واقع ملموس. إنه ترويض لأخطر قوى الكون.
عزيزي القارئ، أدعوك إلى البحث والقراءة عن منشأة «سيرن»، حتى تعفيني من الإسهاب في وصف الجحيم الذي ينتظر البشرية. فمن يمتلك هذه المفاتيح لن يكون مهيمنًا على أسواق الغد واقتصاداته فحسب، بل سيصبح المالك الشرعي لحقبة ما بعد الذكاء الاصطناعي.
ولكم تحياتي.
محمود صلاح قطامش




