
كلمة العدد 1461.. “عندما تنتهي صلاحية الدولة!!!”
نعم عزيزي القارئ.. بينما الصواريخ والمسيرات الأمريكية والإسرائيلية تنهش في الأراضي الإيرانية وتدك مقدرات الدولة وتزرع الخراب في كل مكان في إيران ……اكتفت روسيا والصين، بإصدار بيانات الشجب والإدانة داعين إلى ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات، دون أن تترجم العلاقات الاستراتيجية مع إيران إلى دعم عملي أو تدخل مباشر يغير قواعد الاشتباك.
هذا الغياب يدل وبشكل واضح على أن هناك حسابات عميقة تعيد رسم ملامح التحالفات الدولية وتضع حدودًا صارمة للشراكات التي راهنت عليها إيران طوال السنوات الماضية ……. ولإيضاح ذلك لابد من العودة إلى الخلفية التي تحكم العلاقة بين إيران وبين الصين وروسيا (القوتين العظمتين).
فقد سعت إيران منذ عام ٢٠١٨ إلى تبني عقيدة (التوجه شرقًا) كخيار استراتيجي لمواجهة الضغوط الغربية فعمقت علاقاتها مع روسيا في مجال التسليح والتعاون العسكري وصدرت المسيرات وشاركت في المجهود الحربي الروسي ضد أوكرانيا ووقعت اتفاقا مع الصين، أقرب ما يكون للشراكة الاستراتيجية واستفادت من عضويتها في البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون لعمل تكتلات دولية، مما عزز لديها الاعتقاد بوجود غطاء سياسي واقتصادي قادر على تخفيف وطأة العقوبات الغربية واحتواء أي تهديد عسكري، لكن ما كشفته الحرب الحالية أن هذه الشراكات رغم أهميتها محصورة في إطار تبادل المصالح المحدودة ولم ترتقي إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم.
موقف روسيا هو دعم صاخب، لكنه محدود سارعت فيه إدانة الضربات وقدمت التعازي لإغتيال خامئني، لكن هذه النبرة العالية، سرعان ما اصطدمت بواقع الحسابات، فالانشغال بالحرب في أوكرانيا لا يزال يشكل الأهمية القصوى، مع عدم رغبة في فتح جبهة مواجه مباشرة مع أمريكا تستنزف مواردها وتضعف موقفها على المسرح الأوروبي.
وموقف الصين يبدو أكثر تحفظا وبرجماتية أدان الهجوم واعتبره غير مقبول دون خطوة أخرى، تفسر على أنها انحياز عسكري إلى إيران ومرد ذلك إلى الأهمية القصوى لعلاقاتها مع أمريكا وعدم تعكير جو الزيارة المرتقبة للرئيس ترامب للصين.
روسيا والصين تنظران إلى إيران، على أنها ورقة تفاوضية في لعبة التوازنات الكبرى وليس حليف استراتيجي يستحق المخاطرة لأجله.
أن غياب روسيا والصين عن المشهد الإيراني يجسد حقيقة وطبيعة العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين، حيث تحكم المصالح الوطنية الضيقة والحسابات الدقيقة لحركة اللاعبين الكبار، لا التحالفات ولا الإيديولوجيات أو الالتزامات، وعلى الجميع إدراك هذه الحقيقة، خاصة إذا أنتهت صلاحية النظام وهو الحادث معنا في الحالة الإيرانية.
ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش





