كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1475.. “في التاريخ الحكاية”

في التراث الفارسي، تُعَدُّ “ هذه الحكاية” مدخلاً رئيسياً لفهم طبيعة السلوك الإيراني اليوم، سواء في إدارة الحرب أو إدارة المفاوضات. ولعل فهمها يكون طريقاً لفهم طبيعة السلوك الإيراني (الفارسي) في إدارة لعبة البقاء.

وتروي الحكاية أن رجلين من فارس (إيران) كانا يتحاوران، فسأل أحدهما الآخر: من هو الفارسي الأصيل؟

فأجاب: «الفارسي الأصيل هو الذي يتحدث بشيء، وفي ذهنه شيء ثانٍ، وفي قلبه شيء ثالث، وفي جيبه شيء رابع، ولديه خطة بديلة كشيء خامس إذا فشلت كل هذه الأشياء».

هذه الحكاية لا يمكن قراءتها باعتبارها دليلاً على الدهاء والميل إلى المراوغة فحسب، بل باعتبارها نمطاً وطريقة تفكير ترى أن البقاء لا يمكن أن يتحقق بخط مستقيم، بل بإدارة التعدد، والاحتفاظ بالبدائل، وعدم كشف الأوراق دفعة واحدة.

وعند إسقاط هذا الفهم على سلوك إيران اليوم، يفتح ذلك باباً مهماً لفهم طبيعة هذا السلوك، سواء في التفاوض، أو في إدارة الصراع، أو في النفوذ الإقليمي.

في إيران لا يوجد قرار لحظي، بل قرار يعتمد على النفس الطويل؛ فالأبواب دائماً مفتوحة، وهي تدير التناقضات بدلاً من أن تنهيها. فهي تؤمن بشيء وتؤمن بنقيضه في الوقت ذاته؛ تشددٌ في العلن، ومرونةٌ في الخفاء. ترفع السقف ثم تخفضه دون أن تشعر أنها تنازلت عن الجوهر.

وهذه ليست «ازدواجية أخلاقية»، بل هي إحدى طرق إدارة الزمن والضغط. فالتراجع، في نظرها، وسيلة لحفظ الموقع، وليس علامة على الانكسار.

إيران تتحدث عن «المفاوضات»، وفي ذهنها «إيقاف الحرب حالاً»، وفي قلبها هدف ثالث هو «رفع العقوبات»، وفي جيبها ورقة رابعة هي «مضيق هرمز»، وخطتها البديلة الخامسة هي «إيقاف المفاوضات» إذا فشلت.

المفاوضات الإيرانية الأمريكية تديرها إيران بعقلية «صانع السجاد الإيراني» الذي يتقن الصبر، في مواجهة عقلية «تاجر العقارات الأمريكي» الذي يسعى إلى صفقة سريعة تختزل الزمن.

إيران لا تريد حسماً نهائياً، بل «إدارة الفرص»، بحيث تبقى حاضرة بعد كل جولة، مع المحافظة دائماً على الخطة البديلة. فهي ليست دولة خداع فقط، ولا دولة براغماتية فقط، بل هي دولة، قبل كل شيء، تتقن البقاء عبر إدارة التناقض، وتحويل الغموض إلى أداة قوة، وجعل البدائل جزءاً من بنية القرار.

تلك حكاية من التاريخ، لكنها منحتنا فرصة للاطلاع على الشخصية الفارسية الإيرانية التي تهاجم وتدافع، وتفاوض وتهدد، وتهادن وتناور، ولا يدري خصومها، على وجه الدقة، ما الذي تريده من وراء كل ذلك.

ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى