كلمة العدد 1480.. “”حرب جديدة لم تُحسم نهايتها””

قد تُفضي التجارب السابقة إلى استنتاج مفاده أن الولايات المتحدة لا ترغب في الخروج من أي مواجهة مع إيران قبل أن تحسم نهايتها؛ ذلك أن كثيرًا من الحروب التي خاضتها في المنطقة، ثم تركتها دون حسم، أفرزت لاحقًا نتائج لم تكن في صالحها، ولا في صالح استقرار المنطقة بأسرها.
ولعل العراق يمثل أحد أبرز هذه النماذج؛ فبعد إسقاط النظام، لم يُحسم الصراع، لتتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لنفوذ إيران، وإلى بيئة خصبة للجماعات المسلحة والفساد. والأمر ذاته يمكن ملاحظته في أفغانستان، حيث انتهت الحرب بعودة حركة طالبان إلى الحكم بعد سنوات من الوجود الأمريكي. أما ليبيا، فقد أُسقط نظام القذافي، لكن غياب الحسم فتح الباب أمام صراعات داخلية متشابكة، وولاءات متباينة، ولا تزال البلاد حتى اليوم تبحث عن استقرارها المفقود.
ومن هنا، بات يتردد في أروقة السياسة ومراكز الدراسات الاستراتيجية ودوائر تحليل الصراعات أن الحروب التي تظل مفتوحة، دون نهاية واضحة، تتحول مع مرور الوقت إلى عبء سياسي واستراتيجي على من بدأها أكثر مما تكون إنجازًا له.
وهذا ما يقودنا إلى الحرب الأمريكية الإيرانية، التي تبدو مختلفة في طبيعتها عن كثير من الحروب التقليدية؛ فإيران ليست خصمًا يقيس انتصاره بعدد المدن التي يسيطر عليها أو الكيلومترات التي يتقدم إليها، وإنما تستند شرعية نظامها، منذ قيامه، إلى سردية سياسية وأيديولوجية مفادها أن مجرد الصمود في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية يمثل في حد ذاته انتصارًا.
ومع مرور السنوات، أصبحت هذه السردية جزءًا من الهوية السياسية الإيرانية، وركيزة أساسية في الخطاب الداخلي؛ فسنوات العقوبات والمقاطعة لم تُقدَّم للرأي العام الإيراني باعتبارها دليلًا على الإخفاق، بل جرى توظيفها بوصفها برهانًا على القدرة على الصمود، حتى وإن كانت كلفتها الاقتصادية والإنسانية باهظة.
ولذلك، قد لا تكون المقارنة بالعراق أو أفغانستان أو ليبيا دقيقة تمامًا؛ ففي بغداد وكابول كانت الولايات المتحدة تواجه أنظمة أو تنظيمات مسلحة، أما في الحالة الإيرانية فهي تواجه مشروعًا أيديولوجيًا يرى أن البقاء في حد ذاته انتصار، وأن الزمن يمثل أحد أهم عناصر القوة. ومن هذا المنطلق، يصبح الوقت سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن الصواريخ والطائرات؛ إذ لا يحتاج الطرف الأضعف إلى هزيمة خصمه عسكريًا، بقدر ما يحتاج إلى حرمانه من تحقيق نصر حاسم.
وهنا تكمن المعضلة الأمريكية؛ فالعقوبات الاقتصادية، رغم قسوتها، لم تدفع إيران إلى تغيير سلوكها، كما أن الضربات العسكرية لم تنهِ شبكات النفوذ التي بنتها طهران في المنطقة عبر عقود.
وتبرز معضلة أخرى، ربما تكون أكثر تعقيدًا، تتمثل في أن الولايات المتحدة كثيرًا ما تتعامل مع إيران باعتبارها مجرد ملف نووي، بينما تبدو إيران، في الواقع، مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا عابرًا للحدود. فالحرس الثوري ليس مجرد جيش وطني، بل مؤسسة تحمل رؤية تتجاوز حدود الدولة، وتستثمر في بناء شبكات من الحلفاء والوكلاء والولاءات، تستمد شرعيتها من خطاب “المقاومة”.
ومن ثم، فإن ترك الصراع مفتوحًا، من دون حسم، قد يمنح إيران فرصة جديدة لإعادة إنتاج هذه السردية؛ فهي لا تحتاج، وفق خطابها الداخلي، إلى إعلان انتصار عسكري تقليدي، بقدر ما تحتاج إلى إثبات قدرتها على الصمود، وإقناع جمهورها بأن القوة الأعظم في العالم لم تستطع إخضاعها. وعندئذ، يتحول أي تراجع أمريكي، مهما كان محدودًا، إلى مادة تُقدَّم داخليًا بوصفها انتصارًا سياسيًا ومعنويًا، وتجديدًا لشرعية مشروع “المقاومة”.
وربما لهذا السبب، لن يكون السؤال الحقيقي في هذه الحرب: من يربح المعركة؟ بل: من ينجح في فرض روايته عنها؟ فالحروب الحديثة لا تُحسم دائمًا في ميادين القتال، وإنما تُحسم أحيانًا في الوعي الجمعي، وفي قدرة كل طرف على إقناع العالم، وإقناع شعبه أولًا، بأنه خرج منها منتصرًا.
ولكم تحياتي،



