
كلمة العدد 1479 “الإعلام بعد الحروب من يراقب من؟”
في زمن الصراعات والحروب، ليست الحرب وحدها هي التي تحدد مصير الدولة بعد سقوط النظام وانتهاء الصراع بين الفرقاء؛ فالمعركة الحقيقية لتحديد مصير الدولة تبدأ بعد توقف القتال ووقف إطلاق النار بين الأطراف.
هكذا تبدو المعركة اليوم في سوريا؛ إذ ينتقل الصراع من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الإعلام. فسوريا، التي تحاول الخروج من سنوات الحرب والانقسام نحو مستقبل جديد، تجد نفسها أمام إعلام لم يعد دوره مجرد نقل الحدث، بل أصبح ساحةً للتنافس بين السلطة والمجتمع.
وهنا يبرز السؤال: من يناقش السلطة؟ ومن يحاسبها؟
ينقسم المشهد بين فريق يتبنى ذهنية إعادة إنتاج السلطة، ويرى أن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر خطاب يختزل الدولة في السلطة، ويعتبر أن تعدد الآراء يمثل تهديدًا للوطن. وخلاصة هذا الخطاب أن «الأمن أولًا، وما عداه يمكن تأجيله».
وتكمن قوة هذا الطرح في أن المواطن قد أنهكته سنوات الصراع والفوضى؛ فهو خطاب لا يعتمد على الحنين إلى الماضي، بقدر ما يعتمد على الخوف من المستقبل، فيصبح الاستقرار أكثر جاذبية من أي شيء آخر، حتى لو كان الثمن تراجع الحريات أو تضييق مساحة النقد.
وهنا تكمن الخطورة؛ إذ تتحول الدولة إلى كيانٍ يعلو على المجتمع، ويصبح الاختلاف دليلًا على الانقسام، لا علامةً على الحيوية والتعدد.
وفي المقابل، يقف تيار آخر يرى أن الإعلام يجب أن يقوم على المساءلة والشفافية، وأن يكفل حق المجتمع في الوصول إلى المعلومة. فالإعلام، وفق هذا التصور، ليس شريكًا للسلطة، بل شريك للمجتمع، ودوره الرقابة وكشف الفساد، والدفاع عن حق المواطنين في المعرفة.
وهنا يجد الإعلام نفسه متهمًا، في كل الأحوال؛ فإما أن يُوصم بخدمة السلطة، أو يُتهم بالعمل على تقويضها، وإما أن يُحسب مدافعًا عن الاستقرار، أو محرضًا للمواطنين على المطالبة بحقوقهم.
وفي سوريا، كما في كل الدول التي مرت بصراعات داخلية، ينسحب السؤال إلى معنى الوطنية ذاته: هل الوطنية هي الاصطفاف خلف السلطة، أم هي قدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومحاسبتها؟
ويبدو أن هذا الصراع مرشح للاستمرار فترةً من الزمن، إلى أن تستقر الأوضاع وتترسخ مؤسسات الدولة.
لكن، عزيزي القارئ، أثبتت كل التجارب أن الدولة التي لا تسمح بإعلام حر ومستقل تخسر أول وأهم أدواتها في اكتشاف أخطائها وتصحيحها، وتفقد واحدة من أهم وسائل النهوض بالمجتمع نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالةً وحياةً أفضل.
ولكم خالص تحياتي.





