
كلمة العدد 1481.. “”من الاحتواء إلى الإقصاء””
أيُّ مراقبٍ للأحداث لن يستطيع أن يفسِّر ماهية الحسابات والمكاسب الاستراتيجية التي يمكن أن تحققها إيران من استهداف المملكة العربية السعودية.
فعلى إيران أن تدرك أن استهداف السعودية ليس مجرد رسالة عسكرية مرتبطة بحسابات المواجهة بينها وبين الولايات المتحدة أو بتداعياتها، بل إن هذه الاعتداءات أصبحت نقطة تحول في علاقة إيران بدول الجوار الخليجي، وربما بالعالم العربي بأسره.
إن أي صاروخ أو طائرة مسيَّرة تنطلق من اليمن أو العراق باتجاه الأراضي السعودية لم تعد تُوصَف بأنها ورقة ضغط جديدة في يد إيران، بقدر ما تُسرِّع انتقال دول الخليج من سياسة احتواء إيران إلى سياسة الحد من نفوذها، وربما إقصائها، وبناء استراتيجية جماعية لعزلها إقليميًا.
لقد أصبحت الهجمات التي تنفذها الميليشيات الموالية لإيران عاملًا حاسمًا في توحيد الموقف الخليجي تجاهها. وهذه الضربات لن تدفع نحو أي مبادرة سياسية، بل ستدفع إلى مناخ إقليمي أكثر تشددًا في التعامل معها؛ فالنفوذ الذي تحاول فرضه بالقوة يتحول تدريجيًا إلى العامل الأكثر تأثيرًا في إنتاج عزلة إقليمية متزايدة.
فالنفوذ لا يُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيَّرة، وإنما بعدد الشركاء المستعدين للدفاع عن مصالح مشتركة. وكلما ازداد الاعتماد على القوة، تقلصت القدرة على بناء أي نوع من الشراكات. وهذا ما نعتقد أن القيادة الإيرانية لم تُحسن تقدير نتائجه.
فمنذ سنوات، كانت المملكة العربية السعودية تمثل الطرف الخليجي الأكثر إصرارًا وحماسًا لمنح الحوار مع إيران فرصة حقيقية، انطلاقًا من قناعة بأن أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى على الحروب المفتوحة، ولا على التدخلات الأجنبية وحدها، وإنما على تفاهمات إقليمية تجمع دول المنطقة كافة. غير أن هذا الاستهداف يهدد بإسقاط هذا الرهان تدريجيًا.
ولا يخفى على أحد أن تهديد السعودية من جبهتين، هما اليمن والعراق، يبدو أقرب إلى محاولة فرض معادلة أمنية جديدة، يكون فيها التهديد العسكري وسيلة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية، وهو أمر تدركه دول الخليج جيدًا.
إضافة إلى ذلك، فإن التجارب الحديثة في الشرق الأوسط لا تدعم هذا الرهان، بل قدمت المنطقة أدلة متكررة على أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء شرعية إقليمية أو لفرض قبول سياسي دائم. ويبدو أن إيران تراهن على إمكانية فرض وقائع أمنية جديدة في محيطها دون أن تتحمل تكلفة سياسية موازية، غير أن تجارب المنطقة تؤكد أن التفوق العسكري، وحده، لم يكن كافيًا، لا لإيران، ولا لإسرائيل، ولا لغيرهما، لبناء شرعية إقليمية أو فرض قبول سياسي دائم.
وفي ضوء مجمل هذه المعطيات، يبدو أن استمرار التصعيد العسكري لن يفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لصالح إيران، بل على العكس، قد يدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر حدة من إعادة الاصطفاف السياسي والأمني، تتراجع فيها فرص الحوار لصالح سياسات الاحتواء المشروط أو العزل التدريجي.
ومع تراكم هذه المؤشرات، يصبح واضحًا أن مستقبل العلاقات الإقليمية يتجه نحو مزيد من التشدد، حيث تتحول أدوات القوة من وسيلة نفوذ إلى عامل تسريع لإعادة رسم خريطة التحالفات على أسس أكثر صلابة وأقل قابلية للاختراق.
ولكم تحياتي،





