كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1476.. “”القاعدة التي يؤكدها التاريخ””

في واقعٍ جديد لم يكن ليتحقق قبل سنوات، جلس مَن كانوا يصفون الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر” مع مَن كانوا يرفضون مجرد اللقاء بهم لعقود. جلس دبلوماسيون إيرانيون وأمريكيون في غرفة واحدة، ووقّعوا على وثيقة واحدة. لم يجمعهم حبٌّ مفاجئ، ولا تحوّلٌ أيديولوجي، بل جمعهم شيء أبسط من ذلك بكثير، لكنه أعمق أثرًا: الحاجة.

فإيران لم تعد ترى الشيطان الأكبر في الولايات المتحدة بقدر ما رأته في اقتصادها المتداعي والمثقل بالأعباء. وفي المقابل، أدركت أن استمرار الضغوط والعقوبات بات يفرض عليها أثمانًا متزايدة يصعب تحملها.

ما حدث ليس إستثناءً، بل هو القاعدة التي يؤكدها التاريخ مرارًا، وإن كان أهل السياسة يتجنبون الاعتراف بها علنًا؛ وهي أن الاقتصاد هو الكلمة الأخيرة في الحروب، والكلمة الأولى في كثير من التحولات الكبرى.

فالتاريخ يخبرنا أن معظم الاختراعات والابتكارات لم تكن نتاج الفضول العلمي وحده، بل جاءت استجابةً لحاجات اقتصادية ومصالح عملية. ومن السكين والرمح إلى السفينة والطائرة، كانت الدوافع الاقتصادية حاضرةً في خلفية المشهد، تحرك الأحداث وتوجه المسارات.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اكتشف العالم أن الجيش القوي وحده لا يكفي لصناعة قوة عظمى، بل إن الاقتصاد القوي هو الذي يستطيع تمويل الآلة العسكرية والحفاظ على استمرارها. فالقوة العسكرية، مهما بلغت، تبقى عبئًا ثقيلًا إذا لم يسندها اقتصاد قادر على تحمل تكاليفها.

ليست الأيديولوجيات، عزيزي القارئ، هي التي تبدأ الحروب وتنهيها. الأيديولوجيات تشعل الفتيل، أما الذي يطفئه في نهاية المطاف فهو الاقتصاد.

في فيتنام، خاضت الولايات المتحدة حربًا تحت شعار مواجهة المد الشيوعي ومنع انتشاره في جنوب شرق آسيا، لكنها انسحبت عام 1975، ليس بسبب هزيمة عسكرية حاسمة في الميدان، بل لأن الكلفة الاقتصادية والبشرية أصبحت غير محتملة سياسيًا. فقد خسرت أكثر من 58 ألف جندي، وأنفقت ما يعادل أكثر من تريليون دولار وفق القيم الحالية، لتكتشف في النهاية أن استمرار الحرب أصبح أثقل من قدرتها على تحمل تبعاتها.

وبين إيران والعراق امتدت الحرب ثماني سنوات كاملة، من عام 1980 إلى عام 1988. بدأت بخطابات أيديولوجية وطموحات سياسية متعارضة؛ فصدام حسين رأى فيها فرصة لتوسيع النفوذ العربي وتعزيز موقع العراق الإقليمي، بينما سعى الخميني إلى تصدير الثورة الإيرانية خارج حدود بلاده.

لكن عندما اقترب اقتصادا البلدين من حافة الانهيار، وأصبح العراق مثقلًا بديون الحرب، وعجزت إيران عن تمويل ماكينتها العسكرية بالكفاءة نفسها، توقف القتال.

لم يكن ذلك نتيجة انتصار أيديولوجي حاسم، بل لأن الاستمرار أصبح مستحيلًا اقتصاديًا وبعد نحو مليون قتيل وخسائر مالية هائلة، كتب الاقتصاد نهاية الحرب التي بدأت بالشعارات.

وكذلك انتهت الحرب الباردة بعد أكثر من أربعة عقود من المواجهة الأيديولوجية بين الشرق والغرب لم تنتهِ في معركة فاصلة، ولا بانتصار عسكري مباشر، بل عندما انهار الاتحاد السوفيتي تحت وطأة العجز الاقتصادي. فسباق التسلح لم تكسبه الولايات المتحدة بالقوة العسكرية وحدها، بل بامتلاكها اقتصادًا قادرًا على تحمل أعباء التسليح والاستمرار في تمويله دون أن ينهار.

وفي العصر الحديث، أصبحت الحروب الاقتصادية من أكثر الحروب إيلامًا وتأثيرًا. صحيح أنها لا تُراق فيها الدماء بالقدر الذي يحدث في ساحات القتال، لكنها تمس حياة الملايين بصورة مباشرة، وتفرض معاناة قد تتجاوز آثار القصف العسكري في بعض الأحيان.

لقد أثبت التاريخ أن الاقتصاد لم يعد يحدد فقط نهايات الحروب، بل أصبح يشكل طبيعتها ومساراتها وأدواتها أيضًا. والحصار الاقتصادي اليوم بات جزءًا أصيلًا من أدوات الصراع، كما نشاهد في الحرب الأوكرانية وغيرها من الأزمات الدولية.

والحقيقة التي أكدها التاريخ مرارًا هي أن كسر جمود الحروب لم يكن دائمًا نتيجة انتصار عسكري حاسم، بل كان في كثير من الأحيان نتيجة انهيار اقتصادي متراكم أعجز الأطراف كافة عن مواصلة القتال.

فالاقتصاد هو الذي يطعم الناس، ويوفر فرص العمل، ويضمن استمرار الدول. أما الأيديولوجيات والشعارات السياسية، مهما بلغت قوتها التعبوية، فلا تستطيع وحدها أن تبني اقتصادًا أو تُطعم شعبًا.

وهذه هي القاعدة التي يؤكدها التاريخ في كل عصر: قد تبدأ الحروب بالشعارات، لكنها غالبًا ما تنتهي عند حدود الاقتصاد.

ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى