
كلمة العدد 1474.. “”القوي الخائف وصراع القدرة والرغبة””
في سقطةٍ تاريخية أمام الإعلام، وفي تصريحين متضاربين، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يراقب السلاح النووي الإيراني من الفضاء، لكنه لن يكرر ما حدث للرئيس جيمي كارتر وأزمة الرهائن عام 1979.
هذا التجاور بين التصريحين في اللقاء نفسه يعكس التناقض في القوة الأمريكية عند الاحتكاك الحقيقي مع إيران. فأمريكا ترى كل شيء على الأرض من الفضاء، لكنها تخشى إرسال قوة تفتيش إلى دولة خرجت للتو من حرب منهكة، تناوبت على ضربها إسرائيل والولايات المتحدة، وقُتل عدد من قياداتها العسكريين، وقُضي على سلاحها البحري تقريبًا، وعلى جزء كبير من قدراتها الجوية.
هذا التناقض بين القدرة التقنية الساحقة والإرادة السياسية المقيدة بذاكرة التاريخ يمثل مفارقةً لافتة، صاحبتها تصريحات متضاربة حول سماح إيران لقوة تفتيش بالبحث عن مواد نووية مدفونة، والقول بأن ذلك ربما يحدث في وقت ما من المستقبل غير البعيد.
وهذه النوعية من الصياغات الغامضة تُعد من أكثر التعبيرات الدبلوماسية التزامًا بالهروب إلى الأمام؛ فهي تقول “نعم” دون أن تحدد متى وكيف، وتعلن عن اتفاق دون أن ترسخه. وفي الوقت نفسه، يقول ترامب، وبشكل واضح، إنه ليس اتفاقًا، بل تفاهم مؤقت يواجه تاريخًا من التراجعات الإيرانية، يعترف به ترامب نفسه ويقرّ بأنه يمثل تغييرًا في الموقف والرأي في أكثر من مناسبة.
وفي تصريحات ترامب تتجلى دومًا خطابات الهيمنة التقنية والهشاشة التاريخية معًا: (نحن في الفضاء، وكاميراتنا تراقب كل شيء، وسنرى ما يحدث هناك، وسنقوم بتدميره). وهي جملة صُممت خصيصًا لبث الرعب، وتعلن أن المسافة بين الرؤية والفعل فترة قصيرة جدًا، كما أنها ترضي جمهورًا يريد رئيسًا قويًا يتحدث بلغة القوة لا بلغة الاعتذار.
لكنه، في الوقت نفسه، يقول: “أتذكر أن الرئيس جيمي كارتر واجه مشكلات كبيرة في إيران.” وهذا هو الشبح الذي يسيطر على الذاكرة الأمريكية ويسكنها حتى اليوم. والفارق بين الجملتين شاسع؛ بين التهديد بتدمير كل شيء، والخشية من إرسال القوات.
لكن الصواريخ الثلاثة عشر الأخيرة التي أطلقتها إيران باتجاه إسرائيل باتت تفكك حدود النفوذ الأمريكي على ضبط سلوك حلفائه وخصومه في آنٍ واحد. فما بين الحرص على احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى حرب مفتوحة، وبين حسابات الحلفاء والخصوم التي لا تسير وفق الإيقاع الأمريكي، تبدو المكابح والفرامل الأمريكية بلا جدوى إذا اصطدمت بالعقائد الأمنية الوجودية للأطراف المتصارعة.
لقد كشفت الأزمة أن جميع الأطراف لا تسعى إلى حرب إقليمية شاملة، لكنها ترفض، بشكل قاطع، الظهور بمظهر الطرف المتراجع أو المنكسر. وهذا ما يفسر استمرار الضربات، رغم إدراك الجميع لمخاطرها؛ إذ يسعى كل لاعب إلى تحسين موقعه التفاوضي أو ترميم صورته الردعية.
وهذا التراشق لا يمثل فشلًا دبلوماسيًا، بقدر ما يمثل شكلًا من أشكال التفاوض بالقوة والنيران، عندما تتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أدوات سياسية موازية لإعادة رسم خطوط النفوذ، حتى اللحظة الحاسمة المناسبة للجلوس إلى مائدة المفاوضات بصورة جادة.
وما بين الذاكرة الأمريكية أيام كارتر، والرغبة في الظهور بمظهر القوي القادر على الحسم، يبدو أن هناك تصدعًا في جدار التنسيق واختلافًا في الأولويات. وفي ظل هذه التناقضات، بين القوي الخائف، وعدم التزام الحلفاء، والقيود العسكرية المفروضة، تبقى المنطقة حبلى بجولات جديدة من التفاوض؛ تارةً عبر الوسطاء، وتارةً أخرى عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، حتى إنهاك الجميع.
وربما تكتشف إيران هذا التردد والخوف، فتتحول من سياسة الصبر الاستراتيجي إلى سياسة المبادرة بالقوة والتهديد، وساعتها سيكون التاريخ والمنطقة شاهدين على حدوث أمر جلل.
ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش





