
كلمة العدد 1473.. “”الاقتصاد لا يقرأ الخطط العسكرية””
عند انطلاق أول صاروخ نحو المنشآت النووية الإيرانية، كان المخططون في واشنطن وتل أبيب يفكرون بمنطق عسكري بحت؛ ضربة جراحية سريعة بنتائج محسوبة وتكاليف محدودة، وفي اعتقادهم يتم إنجاز كل شيء.
ولأن الاقتصاد لا يقرأ الخطط العسكرية، فما إن أغلقت إيران مضيق هرمز حتى تحولت الحرب إلى صدمة اقتصادية كبرى، ظهرت تداعياتها في كل مكان؛ من مضخات الوقود في أوهايو إلى حقول القمح في الهند، ومن مصانع أشباه الموصلات في كوريا وتايوان إلى مائدة العشاء في لندن. إنها ليست حرب منطقة فحسب، بل صدمة هيكلية للاقتصاد العالمي، وما لا تراه متأثرًا الآن ستراه قريبًا يقع بعد أن يفقد مقاومته.
تعالَ، عزيزي القارئ، نقرأ الحكاية. فالمضيق ليس مجرد قناة لضخ النفط؛ إذ يمر من خلاله عشرون مليون برميل يوميًا من النفط الخام، إلى جانب خُمس تجارة العالم من الغاز الطبيعي. كما يحمل المضيق اليوريا والأمونيا والكبريت، وهي المواد اللازمة لصناعة الأسمدة التي تغذي العالم.
وقد ارتفعت أسعار اليوريا بنسبة ثلاثين في المائة خلال شهر واحد، وبلغت أسعار زيت فول الصويا أعلى مستوياتها. والتوقيت الآن كارثي؛ فهو موسم الزراعة الربيعي في نصف الكرة الشمالي، حيث يبدأ المزارعون من كندا إلى الهند في اتخاذ قرارات الشراء في مواجهة أسعار مرتفعة وغياب شبه تام لليقين بشأن تحسن أسعار الغذاء.
فإذا استمرت أسعار النفط في الصعود شهرًا آخر أو أكثر، فإن العالم سيدخل مرحلة مختلفة كليًا؛ فالغذاء يصل إلى رفوف المتاجر برًا وبحرًا اعتمادًا على الديزل، وهو ما أصبح أكثر كلفة على الجميع.
إن إغلاق المضيق بالكامل سوف يؤدي إلى خفض الإنتاج الإقليمي بنحو اثني عشر مليون برميل يوميًا، وبالتالي سيفقد السوق هذه الكمية دفعة واحدة. وحيث إن الأسعار لا تتحرك بشكل خطي محسوب، فإنها تقفز قفزات غير قابلة للتنبؤ.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ ففي قلب الأزمة، قد تكون الدولة التي أشعلت الحرب أكثر الاقتصادات الكبرى تأثرًا وتضررًا. فالإنتاج الأمريكي الضخم من النفط لن يحمي المستهلك الأمريكي من صدمات الأسعار، التي قد يدفع ثمنها الاقتصاد الأمريكي في صورة تضخم متزايد، إضافة إلى ما كان يعانيه أصلًا من آثار الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي ترامب.
الأمر الذي قد يؤدي في النهاية إلى انخفاض الناتج المحلي الأمريكي، وهو ما سيترجم إلى وظائف مفقودة وقدرة شرائية أضعف لملايين الأسر هناك. فخلف كل رقم اقتصادي أثر بشري يصعب قياسه.
الحرب التي صُوِّرت بوصفها جراحة عسكرية دقيقة، تتحول تدريجيًا إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد.
والفارق بين الجراحة والحرب أن الجراحة تنتهي على طاولة العمليات، أما الأزمة الاقتصادية فلا تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل تمتد إلى محافظ المواطنين وموائد العائلات، وتبقى حاضرة في الأسعار وفرص العمل ومستويات المعيشة لسنوات طويلة بعد إسدال الستار على آخر مشاهد الحرب.
ولكم تحياتي .
محمود صلاح قطامش





