
كلمة العددكلمة العدد 1484.. “”قراءة في بناء الدولة الاستراتيجية المصرية””
قد لا تتفق معي، عزيزي القارئ، فيما سأطرحه على ضوء بعض التقلبات الاقتصادية التي نمر بها بين آنٍ وآخر، ولكن مما لا شك فيه أن مصر تقدم إطارًا فكريًا استراتيجيًا يعيد تعريف الموقع الجغرافي المتميز في عالم يتغير بسرعة. وهذا الإطار يؤسس لرؤية متكاملة للدولة في القرن الحادي والعشرين؛ إطارًا لا يركز على الأرقام، على الرغم من أهميتها، ولا على الإنجازات، على الرغم من دلالتها، وإنما على التحول العميق والانتقال من مرحلة بناء المؤسسات وتعزيز الاستقرار إلى مرحلة توظيف هذا الرصيد من الاستقرار لإطلاق القوة الوطنية الشاملة.
إطارًا لا يرى أي قطاع اقتصادي بعيدًا عن الآخر، ولا يعالج السياسة الداخلية بمعزل عن السياسة الخارجية، ولا يقدم الأمن باعتباره قضية مستقلة عن التنمية، بل يقدم رؤية متكاملة تجعل كل العناصر مكونات لمنظومة واحدة عنوانها «الدولة الاستراتيجية».
وتظهر مميزات هذا الإطار في أنه ينطلق من قناعة تؤكدها التجارب الدولية، وهي أن الدولة التي ستقود المستقبل ليست الأكبر مساحة، ولا الأكثر سكانًا، وإنما تلك التي تمتلك مؤسسات قوية، ورؤية بعيدة المدى، وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية، وتملك السرعة في تحويل الأزمات إلى فرص.
ولذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يحتل مفهوم الاستقرار مكانًا محوريًا في هذا الإطار الاستراتيجي؛ حيث لم يعد مجرد شرط لحماية الدولة، بل أصبح موردًا استراتيجيًا نادرًا في عالم يتسم بالاضطراب. إنه رأس مال سياسي واقتصادي ودبلوماسي في آنٍ واحد؛ فمن دونه لا يمكن جلب الاستثمار، ولا بناء الثقة، ولا التخطيط طويل الأمد، ولا ضمان استمرارية الإصلاحات والتنمية.
إنه إطار يربط بين الأمن والتنمية والسيادة، وهي ليست محاور منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تؤسس لقوة الدولة الحديثة.
وفي هذا الإطار أيضًا فلسفة اقتصادية؛ فبعد سنوات من بناء البنية التحتية المصرية الكبرى، من خطوط الطرق وشبكات الربط بين البحرين الأبيض والأحمر، والمحاولات المستمرة لتحديث الاقتصاد، والتي نراها لا تزال تحتاج إلى جهد أكبر، أصبحت الأولوية اليوم هي امتلاك أدوات السيادة الاقتصادية.
لم يعد الحديث فيها مقتصرًا على نسب النمو، ولا حجم الاستثمار، على الرغم من أهمية ذلك، ولكن أصبح التركيز على نوعية من الاقتصادات الحديثة، مثل مشروعات الطاقة النظيفة، وصناعة السيارات، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، في وعي عميق بأن موازين القوة الدولية أصبحت تتحدد داخل سلاسل التكنولوجيا والصناعات المتقدمة أكثر مما تتحدد في الأسواق التقليدية.
إطار لا يعتمد فقط على الموقع الجغرافي، بل على اقتصاد يصنع القيمة المضافة، وفي دولة لا تسعى فقط إلى جلب الاستثمارات، بل تسعى إلى إنتاج التكنولوجيا، وتطوير المعرفة، وتعزيز الاستقلال الصناعي، للوصول إلى مفهوم السيادة الحقيقية وتحويلها من شعار سياسي إلى مشروع تنموي متكامل يركز على الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الصناعي.
إنه إطار يتناغم مع التحولات العالمية، ساعيًا لامتلاك المعرفة والتكنولوجيا، اللتين تمثلان شرطًا للاستقلال والسيادة الحقيقية، والتي لا بد أن نرى أثرها ينعكس مستقبلًا على العدالة الاجتماعية؛ حيث إن التنمية لا تكتمل إلا إذا انعكست واقعًا على جودة حياة المواطن، وأسهمت في تعزيز الحماية الاجتماعية، وسعت إلى تمكين كل فئات المجتمع من الوصول إلى ثمار التنمية والتطور.
إنه واقع جديد سيرى النور قريبًا.
مع تحياتي،





