كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1478.. (الكورة)… هرمون السعادة

بدايةً، نتقدم بالتهنئة إلى المنتخب المصري على المستوى المشرف الذي ظهر به خلال مباريات كأس العالم 2026. ومن واقع السعادة الغامرة بما حققه من إنجاز، نلاحظ ـ وعلى لسان كثير من مديري ومدربي الفرق العربية والأوروبية ـ تصريحاتٍ تتضمن وعدًا بإسعاد الجماهير، مع أن تحقيق الانتصارات في هذا المحفل الرياضي ليس بالأمر السهل.

والوعد بتحقيق السعادة أمرٌ عجز عنه كثير من السياسيين في العالم، حتى في الدول المتقدمة اقتصاديًا، ناهيك عن عدم الوصول، حتى الآن، إلى تعريفٍ محدد لمفهوم السعادة. لكن الأمر لا يعدو كونه رغبةً مجتمعية تطلب من لاعبي الكرة أن يوفروا للمجتمع سببًا للاحتفال الجماعي، والتفاخر بإنجازٍ ما أمام الآخرين، في زمنٍ قد تكون فيه مسوغات التفوق قد قلت، وربما يكون ذلك رغبةً في رد الاعتبار للذات بين بقية دول العالم.

وربما يمثل الوعد الرياضي بإسعاد الناس شكوى ضمنية من افتقاد المواطن للسعادة في حياته اليومية، أو ـ على أقل تقدير ـ شعورًا بعدم كفاية لحظات السعادة التي تتخلل يومه أو حياته.

وفي تقديرنا، لو كان تحقيق السعادة قرارًا فوقيًا يمكن تكليف جهةٍ ما بتنفيذه، لربما قررت بعض الدول الرأسمالية تأميم السعادة، أو حتى فرض ضريبة على طالبيها، وربما استخدمتها وسيلةً لحصد الولاءات وكسب المريدين.

إن تحقيق السعادة ليس مرتبطًا بالبعد الاقتصادي وحده؛ ففي بعض الدول لا يعكس تحسن الأوضاع الاقتصادية تطورًا في مؤشر سعادة الناس. ذلك أن عدم الرضا، أحيانًا، يكون انعكاسًا طبيعيًا للتحولات والتغيرات التي تصيب ملامح المجتمع، وتؤثر في العقول والسلوكيات، وفي نظرة المواطن إلى نفسه وإلى العالم.

فمع انفتاح العالم بعضه على بعض، انفتحت الأجيال الصاعدة على العالم الخارجي، وأصبحت التطلعات تتحرك باستمرار نحو الأعلى، وسقط السقف الذهني والاجتماعي للرضا الذي كان يكتفي به الشباب، بسبب محدودية تطلعاتهم في الماضي.

وفي ظل هذه المتغيرات، ومع تضاؤل فرص الفرح الجماعي، أصبح إسعاد الذات مطلبًا فرديًا، وإن اتسع نطاق المطالبة به. لذلك تجد كثيرًا من أفراد المجتمع يحاولون إسعاد أنفسهم بالحفلات، والسفر، والسياحة، وربما بالسهر إلى ساعاتٍ متأخرة لحضور الفعاليات؛ وهي جميعًا تعكس مفهومًا لدى المواطن البسيط مفاده أن متاعب الحياة يمكنها أن تنتظر قليلًا، لأنه لا مهرب منها، وأن علينا اقتناص لحظات السعادة من أي شيء.

قد لا تكون الدولة مسؤولة عن توفير السعادة لكل فرد فيها، لكنها تخطئ إن لم تخطط، من الآن، لبناء مجتمعٍ سويٍّ يبحث عن السعادة قبل بحثه عن الرزق وتأمين الحاجات الأساسية.

ومن نافلة القول، نرى أن الاهتمام بالفرق الرياضية، والرياضة بشكل عام، سيكون أول الطريق، لأنها تحمل هرمونًا مضمونًا للسعادة المجتمعية.

ولكم تحياتي،
محمود صلاح قطامش


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى