
كلمة العدد 1485.. “”هل يسقط الاقتصاد الخمينية؟””
هل يفلح الاقتصاد فيما عجزت عنه الطائرات والصواريخ والمسيّرات؟
والحديث هنا يبدأ عندما تنقل الولايات المتحدة معركتها مع إيران إلى جبهة الاقتصاد؛ حيث تضيق العقوبات مسارات الأموال، لكن إيران تراهن على خبرة طويلة في الالتفاف والصمود أمام العقوبات الاقتصادية.
والرهان الأمريكي الآن يعتمد على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد في تنفيذها: فإذا كانت القدرة العسكرية لم تدفع إيران إلى التراجع بالقدر المطلوب، فربما يستطيع الضغط الاقتصادي رفع كلفة المواجهة إلى مستوى يجعل استمرارها أكثر صعوبة.
لكن إيران ليست وافدًا جديدًا إلى عالم العقوبات؛ فعلى امتداد عقود، بنت شبكة من الأدوات التي مكّنتها من تجاوز جانب من تلك العقوبات، عبر الوكلاء والوسطاء والمقايضة وطرق الدفع غير التقليدية وشبكات النقل والأساطيل التي تعمل بعيدًا عن المسارات التجارية المعتادة.
غير أن ذلك كله لم يكن بلا ثمن؛ فكلما زادت العقوبات، اتسعت المساحة التي يعمل فيها الاقتصاد بعيدًا عن القنوات الرسمية، وارتفعت تكلفة التجارة والتحويلات، وتعاظم دور الوسطاء والمؤسسات المرتبطة بالدولة والأجهزة العسكرية والأمنية.
ومن هنا تظهر ملامح الخطة الأمريكية؛ فبدلًا من الاكتفاء باستهداف الصادرات النفطية ومنع إيران من التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، تتجه النية الآن إلى ملاحقة الشبكة بأكملها: من الشركات والسفن والوسطاء، إلى قنوات تحويل الأموال والأصول والعملات الرقمية.
وهنا تصبح المعركة أكثر تعقيدًا؛ فالهدف لم يعد فقط منع إيران من الحصول على الأموال، وإنما تعقُّب الطرق التي تتحرك عبرها هذه الأموال بعد دخولها المنظومة الاقتصادية الإيرانية.
فقد أفرزت سنوات الحصار والعزلة واقعًا جديدًا تتداخل فيه شبكات الاقتصاد الرسمي مع اقتصاد موازٍ، تتشارك فيه مؤسسات حكومية وشبه حكومية، وشركات خاصة، ووسطاء، وكيانات مرتبطة بالمؤسسات العسكرية.
وهنا يبرز دور الحرس الثوري بوصفه أحد أهم اللاعبين في هذه المنظومة، وأصبحت مؤسسة «خاتم الأنبياء» واحدة من أبرز الأذرع الاقتصادية والهندسية في البلاد.
لكن اختزال الصورة في دور الحرس الثوري لا يقدم الصورة كاملة؛ فالعقوبات الطويلة دفعت أجزاءً متزايدة من الاقتصاد إلى منطقة رمادية، تتقاطع فيها مصالح الدولة والمؤسسات العسكرية والقطاع الخاص وشبكات الوسطاء والتجارة غير الرسمية.
فهل يستطيع الاقتصاد هزيمة الأيديولوجيا، كما فعل في الاتحاد السوفيتي، الذي لم يخسر معركة عسكرية، لكن الإمبراطورية خسرت معركة أكثر قسوة وأشد إيلامًا؛ معركة لم يستطع الصاروخ أن يحسمها، ولا الدبابة أن تخيفها، وهي معركة الاقتصاد؟
لقد أصبحت الأيديولوجيا أكبر من قدرة المجتمع على تمويلها، فبدأت تأكل نفسها، وفقد المركز قدرته على شراء الصمت في الأطراف. وهنا تحركت الخرائط، وتفكك الاتحاد السوفيتي إلى خمس عشرة دولة.
لم يكن هناك منظِّر سياسي يقود هذا التفكك، ولا خطيب بارع يحمل رايته؛ فالجوع كان أكثر إقناعًا من آلاف الخطب.
لقد انهار الاتحاد السوفيتي اقتصاديًا لا عسكريًا، وذلك حين عجز المجتمع عن تمويل المشروع.
ومن هنا، علينا قراءة إيران على ضوء هذه النتيجه .
فإيران، حتى الآن، لم تسقط، لكن الرهان الحقيقي هو: كم عامًا يستطيع المواطن الإيراني أن يدفع ثمن ثورته من خبزه وكهربائه وعمله ومستقبل أبنائه؟
لقد أصبحت الأيديولوجيا الخمينية، القائمة على تصدير الثورة، أعلى كلفةً من قدرة الاقتصاد على تحمُّلها، وأصبح المواطن أمام خيار يزداد صعوبة يومًا بعد يوم: أن يوازن بين أولوياته وضرورياته اليومية، وبين تمويل ثورة تستنزف الدولة والمجتمع.
ولكم تحياتي،





