كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1450.. “إفريقيا عاصمة العطش”

بينما يعيش العالم في سجالات حول الذكاء الاصطناعي والتحولات الرقمية تبقى أفريقيا، تواجه معركتها المصيرية الأقدم والأعقد ضد العطش، والأرقام ماهي إلا مؤشر على عمق المأساة، حيث ٣٤٠ مليون أفريقي يفتقرون إلى مياه الشرب الآمنة وارتفع معدل النزاعات المرتبط بالمياه ومصادرها ليصل إلى ٣٤٪؜ في عام واحد والصور تملئ الشاشات لأطفال ونساء يبحثون عن مصادر مياه وماشية تموت عطشا وزراعات تجف والأمر ينذر بأننا أمام أزمة
بيئية أو ربما تحول جيوسياسي يهدد بإنهيار كيانات بشرية بأكملها٠

العامل المناخي رغم قسوته ليس الجاني الوحيد في هذه المأساة، فالقارة صحيح تعيش تفاوتا صارخا في توزيع المياه، لكن الوجه الأكثر إيلاما يكمن في إدارة الإنسان نفسه لبنية تحتية مائية متهالكة وقديمة لم تتطور مع زيادة عدد السكان وزيادة الإحتياج للماء ولم يتم رفع كفاءة استخدام المياه حتى الآن، حيث لازال استخدام الري بالغمر يهدر أكثر من ٦٠٪؜ منها وهناك نقص في وسائل الابتكار للوصول إلى الاستخدام الأمثل لها، أنه اخفاق مركب يجعل أفريقيا، رغم ثراء مواردها المائية الجوفية والسطحية هي مرشحة لتكون (قارة العطش).

أن المياه في أفريقيا تحولت لتكون وقودًا للنزاعات، حيث نهر النيل محورًا لتوترات دبلوماسية حادة تهدد الاستقرار الاقليمي.

وفي بحيرة تشاد التي تتقاسمها أربعة دول تتحول فيه قطرة المياه إلى رصاصة، حيث انحسرت المياه بنسبة تفوق ٩٠٪؜ لتتحول الحياه إلى صراع محموم على البقاء وتحولت البحيرة من مصدر للحياه إلى بؤرة للنزاع وإلى فتيل لحرب أهلية مفتوحة وفي بحيرة فكتوريا قلب إفريقيا المائي والتي تشرب منها ستة دول ويتناقص منسوب المياه فيها أمام النمو السكاني والطموحات للتنمية والأنشطة الاقتصادية الجديدة، فهذه ليست نزاعات محلية، بل إنذار لحروب مياه باسماء مختلفة، لتصبح اختبارًا مصيريًا لاستقرار الدول وسيادتها وإعلانا صارخا بأن أمن إفريقيا القومي لم يعد مهددًا بالانقلابات والصراعات المسلحة فقط، بل أيضًا بجفاف الانهار وموت البحيرات ومحاولات السيطرة على بعض مصادر المياه وحرمان الآخرين منها، الأمر الذي لابد أن يكون التعامل مع ملف المياه ليس على اساس كونه مشروع تنموي، بل هو (الأمن القومي الشامل) والذي يتطلب اصلاحا جزريا للتحول للزراعة الذكية ويستلزم اعتماد سياسة الأحواض المائية المشتركة والالتزام بالقوانين التي تنظم الأستفادة من الأنهار العابرة للحدود، حيث أزمة المياه لا تشكل نقص في الموارد، بل اختبار لإرادة البقاء.

وإبداع الحلول أن مستقبل أفريقيا لا يكتب في قصور الرئاسات ولا أروقة السياسة ولا في الأمم المتحدة ولكنه يكتب عند منابع الأنهار تعاونا ومصالح مشتركة والمعركة ليست ضد الطبيعة، بل ضد الطمع وسوء الإدارة والاستغلال وأزمة المياه أما أن تتحول إلى جسر للتعاون وبناء السلام أو أنها مرشحة لتبقى ساحة حرب لتزيق شعوب القارة مرارة العطش ومرارة الصراع معا.

ولكم تحياتي .
محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى