
كلمة العدد 1448.. “في السودان ترى العجب!”
حملت الأيام الماضيه أنباء عن اتفاق فيه مفارقة تقترب من العجب، بين حكومة جنوب السودان وحميدتي والبرهان على حماية مشتركة لمنشآت النفط وحقوله في مناطق النزاع ……
اتفاق يضمن تدفق البراميل دون انقطاع وتستمر المدافع في قصف المدن، لتستمر الجثث في التساقط في الشوارع ويستمر قتل الأطفال تحت الأنقاض.
والعجب عزيزي القارئ أن الأطراف تتقاتل بشراسة من أبريل ٢٠٢٣ ولا تقبل عن فناء بعضها البعض بديلاً لكنها تجلس مع بعضها البعض لتوقيع اتفاق يحمي مصالحها المشتركة في النفط، بينما هي عاجزة أو غير راغبة في عقد اتفاق لوقف اطلاق النار يحمي حياة ملايين السودانيين، وهذا ليس مجرد استنكار أخلاقي، بل كشف صارخ لأولويات النخب المتحاربة (المكاسب فوق المبادئ).
البرهان وحميدتي اللذان يتبادلان الاتهامات بالخيانة والإبادة يوميًا، وجدا طريقًا مشتركًا ولغة مشتركة سريعا عندما تعلق الأمر بالمال والمكاسب، بينما يعجز الطرفان، بل يرفض الطرفان الجلوس معًا لمناقشة هدنة إنسانية دائمة …….
هذا التناقض يكشف أولويات مشوهة وغير واضحة، في حرب قتلت أكثر من (.١٥) ألف سوداني وشردت أكثر من (١٠) ملايين سوداني داخليًا وخارجيًا واغرقت البلاد في مجاعة تهدد (٢٥) مليون شخص …..
أتفاق يعقده المتحاربون متفقين فيه على حماية مصدر دخلهم المشترك ويتركون الشعب يواجه الموت والجوع والتشرد والمرض، حيث من المعلوم أن قيمة النفط قبل الحرب ( ١٥٠ ) ألف برميل يوميا قيمتها مليارات الدولارات سنويًا، جزء من هذه المبالغ يذهب لتمويل السلاح نفسه الذي يقتل السودانيين ….
راي المتحاربون أن في النفط استمرار سلطتهما وثرائهما، بينما ترى في ذات الوقت أن الشعب السوداني مجرد أدوات أو عبء زائد أو حمل ثقيل …….
في الحقيقه أنه أتفاق يفضح زيف حجة السيادة وزيف حجة حماية الثورة التي يتشدق به الطرفان، هذا الأتفاق تحميه حكومة جنوب السودان، حيث لم يعد السودان قادرا على حماية موارده بنفسه، ليصبح رهينة لتدخل إقليمي ليكشف خدعة السيادة والحماية، حيث تدار الأمور بمنطق المصلحة لتكشف بطلان حجة السيادة وحجة حماية الثورة …….
أن هذا الأتفاق يرسخ مبدأ بمنتهى الخطورة وهو ثقافة الحرب من أجل (المكاسب والغنائم) حيث الوضع الإنساني يزداد سوءا، مجاعة في الفاشر، نزوح من الجزيرة، انهيار صحي في الخرطوم، في الوقت الذي يتفق فيه المتحاربون على حماية البراميل …..
ان الكل الان مطالب ان يتحمل مسؤلياته المجتمع الدولي واي طرف آخر يستطيع ايقاف هذا العبث و الجنون لكن
من بين هذا الظلام يبقي امل صمود الشعب السوداني رغم القتل والجوع والنزوح، يحافظ السودانيون على كرامتهم وإنسانيتهم، يساعدون بعضهم البعض ويرفضون ثقافة الكراهية التي يحاول المتحاربون زرعها وهو
على أقل التقدير الرد على ثقافة المكاسب والمغانم.
وفي النهاية الشعب السوداني يحتاج إلى اتفاق مصالحة وطنية يحفظ الكرامة والحياة والجميع مدعو للضغط من أجل تحقيق ذلك.
ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش





