كتابات شعرية و أدبية و سياسية للشاعر

كلمة العدد 1463.. “تعريف جديد لمعنى القوة”

تشهد الحروب الحديثة، تحولا بنيويا عميقًا، أعاد معه التعريف لمعنى القوة، حيث يتشكل بهدوء نظام قتالي جديد لا يقوم على التفوق التقليدي في المنصات الثقيلة، بل على منظومة معقدة ومزيج من الكلفة المنخفضة والسرعة العالية والتكيف اللحظي، أنها لحظة انتقال تاريخية، لا تغير أدوات الحرب فحسب ولكن تعيد صياغة منطقها بالكامل.

 في الأسبوع الماضي من حملة الرد الإيرانيه، شكلت الطائرات المسيرة نحو ٧١٪؜ من مجمل الضربات المسجلة ضد دول الخليج، فعلى سبيل المثال أطلقت إيران على الإمارات ١٤٠٠ طائرة مسيرة ونحو ٢٥٠ صاروخ خلال الثمانية أيام الأولى، هذا لا يعكس تحول كمّي فقط، بل يعكس تحول نوعي في بنية العمليات العسكرية، حيث الضربات الدقيقة أصبحت نمطًا متكررًا ضمن موجات متكررة كثيفة الهجمات منخفضة التكلفة.

هذا التحول في نمط وشكل الحرب، قد ظهر في الحرب الروسية الأوكرانية ويتجلى في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع التكنولوجيا والجغرافيا السياسية، لتنتج نمطا جديدًا من الحروب، تتراجع فيه أهمية الضربة الواحدة عالية التكاليف لصالح أسراب من الوسائط الصغيرة القادرة على إرباك الدفاعات واستنزافها، فبفضل انتشار المكونات التجارية منخفضة التكاليف، أصبح بإمكان دول متوسطة تطوير قدرات هجومية فعالة، فالطائرات المسيرة لم تعد سلاحا نخبويًا، بل تحولت إلى ذخيرة ذكية يمكن إنتاجها بكميات كبيرة واستخدامها ضمن تكتيك الإغراق والتشويش وهذا التحول يمثل انقلاباً في معادلة التكلفة، فحين لا تتجاوز تكلفة صناعة الطائرة المسيرة بضع الآلاف من الدولارات تصل تكلفة اعتراضها إلى ملايين ليصبح معه ميزان الاستنزاف مختلا وهذا الخلل لايعكس أن تكلفة الهجوم أرخص فقط، بل أن الدفاع أصبح أكثر هشاشة من الناحية الاقتصادية وهنا أيضا تتغير وظيفة الدفاع الجوي من منع الاختراق إلى إدارة الاستنزاف، حيث يصبح القرار ليس اسقاط كل تهديد، بل اختيار ما يجب اعتراضه وما يمكن تحمله ضمن حسابات دقيقة للتكلفة والأثر.

وهذه المعادلة تفتح باباً أمام نوع جديد من الردع لا يقوم على منع الهجوم، بل أن يجعل كلفته الاقتصادية غير محتملة للطرفين والطرف الذي يملك القدرة على إنتاج أرخص لديه القدرة على الصمود أكتر وهذا التحول الجديد يفرض أنظمة صغيرة ذكية رخيصة قابلة للإنتاج بكميات كبيرة ومكثفة والفكرة ليست في إبدال الجودة بالكمية ولكن دمجها في منظومة مرنة تؤدي فيه الكثرة دورًا تكميليًا واحيانا حاسمًا.

وختامًا فأن هذه الحروب تمثل مختبرًا حيًا تقود إلى تحول في عمق طبيعتها وأساليب وأدوات إدارتها وربما إلى إنتاج نمط جديد من الحروب نراه مستقبلا.

ولكم تحياتي
محمود صلاح قطامش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى